فهرس الكتاب
وأقول: هذه الأوصاف التي أوردها المؤلف رحمه الله للمؤمن حيث يتميز بها عن غيره من أهل الكفر، والجحود أو أهل الغفلة؛ الذين لا تهمهم إلا الدنيا، ولذّاتها، وما أحسن حال المؤمن الذي شارك الآخرين في التمتع باللذات المباحة على وجه يرضاه الله من عباده؛ حيث يقول: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ( [الأعراف: 32] وهو يكتسب المال كما يكتسبه الآخرون، ولكنَّه مقيدٌ بالإباحة الواضحة؛ مبتعدًا عن الشُّبه؛ ذاكرًا في نفسه قول النبي صلى الله عليه وسلم:(( البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس ) ) (1) وقوله صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ الحلال بيِّن، وإنَّ الحرام بيِّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه؛ ألا وإنَّ لكل ملك حمى؛ ألا وإن حمى الله محارمه؛ ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) ) (2) فهو لا يُقْدِم على الكسب إلا من الوجه الحلال البيّن، ويجتنب الحرام البيّن، ويجتنب المتشابهات؛ ذلك لأنه يسيطر على نفسه الإيمان العميق؛ أنَّ الدنيا ما هي إلا طريق إلى الآخرة، وأنَّ من تزود بالحرام فلعله ينقطع عن السير أو يتأرجح في سيره ويضعف؛ ذلك لأنه قد تزود بالعلم النافع الذي ينبني عليه الإيمان بالله؛ أي الإيمان بوجوده، والإيمان بأسمائه وصفاته، والإيمان بكمال أسمائه، وكمال صفاته، وأنه لا يشبهه فيها أحد، فله القدرة الكاملة التي لا يتعاصى عليها شيء، وله العلم الشامل الذي لا يفوته شيء، وله الحكمة التي تضع الأشياء في مواضعها، وله الحجة على عباده، وأنَّ كل اسم وصفة من أسمائه وصفاته فهي كاملة في بابها لا يشبهه فيها أحد من خلقه، ومن أجل ذلك يؤمن بأنه مستو