الصفحة 90 من 95

قوله:"قد صان قلبه، ووجهه عن بذله، وتذلُّله لغير ربه"أي صان قلبه أن يتذلل لغير الله تذلل عبادة بحيث يدعي أو يعتقد أنَّ له سلطانًا غيبيًا، وأنَّه يقدر أن يضره بما لا يقدر عليه إلاَّ الله فهذا لا يحصل من المؤمن؛ بل المؤمن، لا يكون مؤمنًا إلاَّ باعتقاد تفرد الله عزَّ وجل بالضر والنفع دون سواه؛ ولهذا فإنَّه وصفَه بالعفة، والقوة، والشجاعة، والسخاء، والمروة.

وأنَّه:"لا يختار إلاَّ كل طيب"فهو عفيفٌ عن أخذ المال الحرام أو الوقوع في طائلة الزنا؛ يتصف بالقوة التي يمنع بها نفسه عمَّا يغضب الله عزَّ وجل، ويدفعها إلى ما يرضيه، وكذلك يتصف بالشجاعة على قول الحق؛ وإن أغضب الناس، والبعد عن الكذب والرياء ويتصف بالسخاء؛ وهو كونه يبذل ما يوصله إلى طاعة الله سبحانه وتعالى، ويبلغه إلى رضاه فتسخوا نفسه بالمال والجاه، وما يتبع ذلك من أغراض الدنيا إذا رأى أنَّ تلك الأمور تحول بينه وبين مراد الله عزَّ وجل أو تعرقله وتؤرجح سيره، فكذلك لا يختار إلاَّ كلَّ طيب، ليتوصل به إلى مرضات ربه سبحانه وتعالى مستشعرًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم(ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك ) ) (1) .

قوله:"أمَّا الجاحد: فعلى الضد من ذلك؛ قد تعلق قلبه بالمخلوقين خوفًا من ضررهم ورجاءً لنفعهم، وبذل لهم ماء وجهه، وليس له عفة، ولا قوة ولا شجاعة إلاَّ في أغراضه السفلية عادم المروة الإنسانية؛ لا يبالي بما حصل له من طيِّبٍ أو خبيث".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت