وتبقى المسألة الأخيرة، وهي تحديد هوية يأجوج ومأجوج الآن! فأحسب أن الشيخ رحمه الله، قد توسع فيها توسعًا زائدًا، إلى الحد الذي يُفقد هاتين الأمتين كينونتهما المميزة، واستقلالهما العِرقي والجغرافي، الذي دلت عليه النصوص، ويجعل اسمهما (اسم جنس) مشاعًا بين جميع الأمم والأعراق، استنادًا إلى اندماج الشعوب التركية الطورانية بمختلف شعوب الأرض، حتى أفضى به الأمر إلى حسبان معظم أمم الأرض من يأجوج ومأجوج. وهذا غير مُسَلَّم. فالأمم والشعوب معروفة بأسمائها وأعراقها من عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى أن تقوم الساعة. ولم تزل تقع بين الأمم والشعوب غزوات وامتزاجات دون أن تلغي خصوصيتها، أو تسلبها أصلها. ومن شواهد ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم «تقوم الساعة والروم أكثر الناس» [1] .
ولا شك أن هذا القول، والجزم به، أثار استنكارًا للرسالة، مع ما تضمنته من جوانب مشرقة مفيدة، أدت إلى ما ذُكر آنفًا من استدعاء الشيخ، رحمه الله، وانكفافه عن تقريرها.
وممن تابع الشيخ، رحمه الله، في جميع قوله في يأجوج ومأجوج، الشيخ عبد العزيز بن خلف بن عبد الله آل خلف، رئيس محكمة الجوف الشرعية، المتوفى سنة 1408هـ، رحمه الله، في كتابه: «دليل المستفيد على كل مستحدث جديد» ، حتى قال في فقه حديث بعث النار، من كل ألفٍ تسعمائة وتسعة وتسعون: ( .. وهو ينص على الذين يستحقون النار من البشر من بعثته صلّى الله عليه وسلّم إلى أن تفنى الدنيا، ينحصرون في هذا العدد الذي ذكره صلّى الله عليه وسلّم. وهم بنص الرسول يسمون «يأجوج ومأجوج» ، لأنهم مجموع بعث النار من بعثته إلى أن تفنى الدنيا، ولم يشر إلى أن أحدًا يستحق النار غيرهم من البشر، فهو دليل صريح على أن يأجوج ومأجوج هم السواد الأعظم في الناس اليوم.
(1) - صحيح مسلم (2898) .