الأولى: أنه لو كانت الأرض مؤجرة فهل تجب الزكاة على المالك؟ أو على المستأجر؟ أو على كل منهما؟ .
قال النووي: وإذا أجر أرضه فمذهبنا أن عشر زرعها على المستأجر الزارع، وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد وأحمد وداود. وقال أبو حنيفة يجب على صاحب الأرض.
ولو استعار أرضًا فزرعها فعشر الزرع على المستعير عندنا وعند العلماء كافة، وعند أبي حنيفة روايتان، أشهرهما هذا، والثانية على المعير. وهذا عجب. اهـ.
والشيخ القرضاوي في كتابه"فقه الزكاة"يرى المالك والمستأجر شريكين في إخراج الزكاة (يقصد المستأجر بالنقود المحددة) ويوزع نصيب كل منهما توزيعًا جديدًا أيضًا، فيقول: إيجار الأرض عشرين جنيهًا مثلًا، وأخرجت من القمح عشر أرادب، وكان الأردب يساوي خمسة جنيهات. فيكون مقدار الخارج 10×5= 50 جنيهًا، فإنه يخرج عن ستة أرادب فقط، والأربعة الأخرى تطرح مقابل الإيجار.
والجزء الذي طرح من نصيب المستأجر الزارع -وهو ما يقابل الأجرة من المحصول والذي أعفي من زكاته- دخل في نصيب المالك وأدى عنه الزكاة الواجبة، وهو أحق بها وأولى بأدائها من المستأجر في هذا القدر.
وهذا الرأي يميل نحو مذهب أبي حنيفة إلى حد كبير، وكل ما يرد على أبي حنيفة يرد عليه، يرد عليه محاذير أخرى لا ترد على أبي حنيفة، فأبو حنيفة حينما جعل الزكاة على المالك ربطها بنتاج أرضه وملكه، ترتفع بارتفاع ما أعطى الله، وتنخفض بانخفاضه، فتكون شكرًا ونماء، وإن كانت الزيادة لم تعد على المالك حينئذ، لكنها ستعود إليه في سمعة أرضه وزيادة الرغبة فيها بخلاف هذا الرأي الجديد، فالزكاة على أجرة محددة زادت الغلة والعطية من الله للزارع أو نقصت ما دامت تبلغ نصابًا، فتحولت الزكاة بالنسبة للمالك حينئذ إلى زكاة النقود بدلًا من زكاة الزروع، فلا يقبل عقلًا ولا شرعًا حينئذ أن يدفع المالك عشر الإيجار أو نصف عشره -كما قرر صاحب الرأي- وإنما زكاته الشرعية ربع العشر إن كانت عليه زكاة في هذا المال.
أما قياس الأجرة العينية المحددة التي يتقاضاها المالك من المستأجر على المقدار غير المحدد الذي يحصل عليه المالك في المزارعة، فهو قياس فاسد، فشتان بين المقيس والمقيس عليه، شتان بين قابل للزيادة والنقص وبين ما لا يقبل.
إن أبا حنيفة لم يوجب على المالك زكاة إذا لم تخرج الأرض ما يزكى، ومقتضى هذا الرأي أن المالك يدفع زكاة ما حصل عليه من الأجرة ولو لم تخرج الأرض شيئًا، إذ لا فرق بالنسبة له بين أن تنتج الأرض أو لا تنتج.
تلك محاذير توجه إلى هذا الرأي بالإضافة إلى كل المحاذير الموجهة لأبي حنيفة، وهي كثيرة ووجيهة، ومذكورة في كتب الفروع، فمن أرادها فليرجع إليها.