(فضربوا الأبنية وسقوا الركاب) أي نصبوا الخيام وأقاموها، وسقوا الدواب.
(فتحزم المفطرون وعملوا) قال النووي: بالحاء المهملة والزاي، وكذا نقله القاضي عياض عن أكثر رواة صحيح مسلم. قال: ووقع لبعضهم"فتخدم"بالخاء المعجمة والدال المهملة، قال: وادعوا أنه صواب الكلام لأنهم كانوا يخدمون. قال القاضي: والأول صحيح أيضًا، ولصحته ثلاثة أوجه، أحدها، معناه شدوا أوساطهم للخدمة، والثاني: أنه استعارة للاجتهاد في الخدمة، ومنه"إذا دخل العشر اجتهد وشد المئزر"، والثالث: أنه من الحزم، وهو الاحتياط والأخذ بالقوة، والاهتمام بالمصلحة.
(وهو مكثور عليه) أي عنده كثيرون من الناس.
(إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم. فكانت رخصة) أي فكانت الدعوة إلى الفطر عرضًا خفيفًا على هيئة الإذن والترخيص، وليس أمرًا قويًا جازمًا. فهم ذلك أبو سعيد الخدري. كما فهمه الصحابة، فمنهم من عمل بالرخصة فأفطر، ومنهم من واصل الصيام، فعبارة الدنو من الأعداء تصدق مع بقاء أميال وأيام، لأنه ينسب إلى البعد بين المدينة وبين مكة، بخلاف قوله في المنزل الآخر"إنكم مصبحو عدوكم"التي أعقبها الأمر الصريح بالفطر بقوله"فأفطروا"فمن صام بعد هذا الأمر كان عاصيًا.
(لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر) أي رأيت أنفسنا، وهذا يرد فهم الزهري أن آخر الأمور الفطر في السفر.
(إني رجل أسرد الصوم) أي أتابعه، أي آتي به متواليًا، من سرد بالفتح يسرد بالضم.
(حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه) "إن"مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، واللام في خبرها هي الفارقة بينها وبين النافية والتقدير: إن الحال والشأن كان أحدنا ... إلخ.
(وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة) "رواحة"بفتح الراء. قال الحافظ ابن حجر: عبد الله بن رواحة استشهد بغزوة مؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلاف، وإن كانتا جميعًا في سنة واحدة، فصح أن هذه السفرة غير سفرة الفتح، وأيضًا فإن سياق أحاديث غزوة الفتح أن الذين استمروا من الصحابة صيامًا كانوا جماعة. قال: ولا يصح حمل السفرة هذه على بدر، لأن أبا الدرداء القائل"لقد رأيتنا ... إلخ"لم يكن أسلم حينئذ.
- [فقه الحديث] -
اختلف العلماء في صوم رمضان في السفر، فقال الشيعة وبعض أهل الظاهر: لا يصح صوم رمضان في السفر، فإن صامه لم ينعقد، ويجب قضاؤه، واستدلوا بأدلة: