فهرس الكتاب

الصفحة 2489 من 6200

مباركًا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنًا [آل عمران: 96، 97] . وقد كان اليوم العاشر من شهر المحرم من أيام الله التي أفاض الله فيها على أوليائه من فيوضاته، فنجى فيه موسى وقومه من فرعون وجنوده، ومن واجب المؤمن أن يشكر الله على نعمائه، وخير ما يشكر به الصوم، لذا صامه موسى عليه السلام شكرًا لله، وصامه اليهود من بعده، وصامته قريش، وصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم بالمدينة، لقد رأى اليهود يصومونه فسألهم عن سر صومهم له، فوجده حسنًا، فأمر أصحابه بصيامه وقال لهم: نحن أحق وأولى بموسى من اليهود، فصوموه، ولم يكن فرض على المسلمين صيام قبل، ولم يمض أشهر على صيامهم يوم عاشوراء حتى فرض الله عليهم صوم شهر رمضان، فقال لهم صلى الله عليه وسلم:"يوم عاشوراء من أيام الله المفضلة، لم يكتب ولم يفرض الله عليكم صيامه، فمن شاء أن يصومه تطوعًا فليصمه، وأنا صائم".وكان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب في الطاعات التي لم يؤمر فيها بشيء، استئلافًا لقلوبهم من جهة، واعتمادًا على أن عبادتهم تستند إلى الوحي غالبًا من جهة، حتى فتح الله مكة، وأتم الله النعمة، وأكمل دينه فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب مخالفة أهل الكتاب، فقال في عامه الأخير:"لئن عشت إلى العام القابل لأصومن التاسع والعاشر"ولكنه صلى الله عليه وسلم لحق بالرفيق الأعلى.

وكان اهتمامه صلى الله عليه وسلم بصيام المسلمين ليوم عاشوراء كبيرًا، فكان يأمرهم به، ويحثهم عليه، ويتعاهدهم ويسألهم عن صيامه، فكانوا لشعورهم بهذا الاهتمام يحافظون عليه، ويدربون صبيانهم على صيامه، ويشغلونهم عن الرغبة في الطعام والفطر باللعبة يصنعونها لهم من الصوف، حتى خشي بعض الصحابة من اعتقاد وجوب صيام هذا اليوم فكان يفطر فيه عن عمد، وهو يعلم أن صيامه مستحب، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم احتسب على الله أن يكفر صوم يوم عاشوراء صغائر السنة التي قبله.

- [المباحث العربية] -

(كانت قريش تصوم عاشوراء في الجاهلية) "عاشوراء"بالمد على فاعولاء من العشر الذي هو اسم للعدد المعين، وحكي فيه القصر، قال القرطبي:"عاشوراء"معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة، فإذا قيل: يوم عاشوراء فكأنه قيل: يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الإسمية، فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة.

وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع والأديان السابقة، ولهذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه، وقيل: أذنبت قريش ذنبًا في الجاهلية، فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك الذنب.

والمراد بالجاهلية ما قبل البعثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت