(بالروحاء) مكان على بعد ستة وثلاثين ميلًا من المدينة.
(فقالوا: من أنت؟ ) قال القاضي عياض: يحتمل أن هذا اللقاء كان ليلًا، فلم يعرفوه صلى الله عليه وسلم، ويحتمل كونه نهارًا، لكنهم لم يروه صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، لعدم هجرتهم، فأسلموا في بلدانهم، ولم يهاجروا قبل ذلك.
(فرفعت إليه امرأة صبيًا) هذا أعم من أن يكون في سن التمييز، أو أقل، أو أكثر إلى حد البلوغ. وليس في هذه العبارة أنها أمه، فيجوز أن يكون في حجرها بنوع ولاية.
(ولك أجر) أي بسبب حملك إياه، وتجنيبك إياه ما يجتنبه المحرم، وفعلك به ما يفعله المحرم.
- [فقه الحديث] -
احتج بظاهر هذا الحديث داود وأصحابه من الظاهرية وطائفة من أهل الحديث على أن الصبي إذا حج قبل بلوغه كفى ذلك عن حجة الإسلام وليس عليه أن يحج حجة أخرى وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وعامة العلماء وحجة الصبي لا تجزئ عن حجة الإسلام، وعليه بعد بلوغه حجة أخرى، ويستدل لهم بحديث رفع القلم عن ثلاثة ... وفيه وعن الصبي حتى يبلغ فإذا ثبت أن القلم مرفوع عنه كان الحج غير مكتوب عليه، ويكتب عليه بعد بلوغه، كما أنه إذا صلى فرضًا ثم بلغ بعد ذلك لا يسقط هذا الذي أداه عن الفروض التي تجب عليه بالبلوغ، ثم إن هذا الحديث ليس فيه إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أن له حجًا، وليس فيه ما يدل على أن حجه يسقط حج الفريضة.
ثم اختلف العلماء: هل ينعقد حج الصبي أولًا؟ فقال مالك والشافعي وأحمد وجماهير العلماء حجه منعقد صحيح يثاب عليه، ويقع تطوعًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل له حجًا، وقال أبو حنيفة لا يصح حجه، قال أصحابه إنما فعلوه تمرينًا له ليعتاده فيفعله إذا بلغ.
قال النووي: وهذا الحديث يرد عليهم. قال القاضي: لا خلاف بين العلماء في جواز الحج بالصبيان، وإنما منعه طائفة من أهل البدع، ولا يلتفت إلى قولهم، بل هو مردود بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإجماع الأمة، وإنما خلاف أبي حنيفة في أنه هل ينعقد حجه، وتجري عليه أحكام الحج؟ وتجب فيه الفدية ودم الجبران وسائر أحكام البالغ؟ فأبو حنيفة يمنع ذلك كله، ويقول إنما يجب ذلك تمرينًا على سبيل التعليم، والجمهور يقولون تجري عليه أحكام الحج في ذلك، ويقولون حجه منعقد.
قال النووي: وأما الولي الذي يحرم عن الصبي فالصحيح عند أصحابنا أنه الذي يلي ماله، وهو أبوه أو جده، أو الوصي، أو القيم من جهة القاضي، أو القاضي، أو الإمام، وأما الأم فلا يصح إحرامها عنه إلا أن تكون وصية أو قيمة من جهة القاضي، وقيل إنه يصح إحرامها وإحرام العصبة، وإن لم يكن لهم ولاية المال. هذا كله إذا كان صغيرًا لا يميز، فإن كان مميزًا أذن له الولي فأحرم، فلو أحرم بغير إذن الولي، أو أحرم الولي عنه لم ينعقد على الأصح، وصفة إحرام الولي عن غير المميز أن يقول بقلبه جعلته محرمًا.