حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيتهم، وحين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم، أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني [أي لم ينقصاني شيئًا مما معي] ولم يسألاني [في رواية"فقلت: هذه كنانتي، فخذ سهمًا منها، فإنك تمر على إبلي وغنمي، بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك. فقال لي: لا حاجة لنا في إبلك وفي رواية"قلت: يا نبي الله، مرني بما شئت. قال: فقف مكانك، لا تتركن أحدًا يلحق بنا"] فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة، فكتب في رقعة من أدم. ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وفي رواية"فجعل لا يلقى أحدًا إلا رده، وقال له: قد كفيتم ما ههنا"وفي رواية"فرجعت، فسئلت، فلم أذكر شيئًا مما كان، حتى إذا فرغ من حنين، بعد فتح مكة، خرجت لألقاه، ومعي الكتاب، فلقيته بالجعرانة، حتى دنوت منه، فرفعت يدي بالكتاب، فقلت: يا رسول الله، هذا كتابك. فقال: يوم وفاء وبر. ادن. فأسلمت."
أما عامر بن فهيرة فقد كان مولدًا من مولدي الأزد، أسود اللون، مملوكًا للطفيل بن عبد الله بن سخبرة، فأسلم وهو مملوك، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، وكان حسن الإسلام، ودوره في الهجرة أنه كان يرعى الغنم، وهم في ثور، ويروح بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر في الغار، وانطلق معهما. شهد بدرًا وأحدًا، ثم قتل يوم بئر معونة، وهو ابن أربعين سنة.
(فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فساخت فرسه) بالسين ثم خاء، أي نزلت في الأرض، وقبضتها الأرض، وكان في أرض يابسة، وفي رواية"فارتطمت به فرسه في الأرض إلى بطنها"وفي رواية"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اكفناه بما شئت"وفي رواية"فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: اللهم اصرعه. فصرعه فرسه".
(ادع الله لي، ولا أضرك) قال النووي: وقع في بعض الأصول"ادعوا الله"بلفظ التثنية، للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه، وفي بعضها"ادع"بلفظ الواحد، وكلاهما ظاهر. والمدعو به محذوف للعلم به من المقام، أي أن ينجيني وينقذني من هذا السقوط، وفي رواية للبخاري"فطلب إليه سراقة أن لا يدعو عليه وأن يرجع، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم".
(فدعا الله) له، زاد في رواية"فانطلق".
(أتي ليلة أسري به بإيلياء بقدحين، من خمر ولبن) قوله"من خمر ولبن"على التوزيع، أي بقدح من خمر، وقدح من لبن، و"أتي"بضم الهمزة وكسر التاء مبني للمجهول، و"إيلياء"بالمد، ويقال بالقصر، ويقال: إلياء بحذف الياء الأولى، وهو بيت المقدس، وقوله"بإيلياء"متعلق بأتي، أي أتي وهو بإيلياء ليلة الإسراء بقدحين، وفي هذه الرواية محذوف، تقديره: أتي بقدحين، فقيل له: اختر أيهما شئت"كما جاء مصرحًا به في البخاري، وفي رواية لمسلم في باب الإسراء"فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر، وإناء من لبن وظاهر روايتنا أن الإتيان بالإناءين كان بإيلياء، وأصرح