فهرس الكتاب

الصفحة 4614 من 6200

- [المعنى العام] -

إن الحكم الشرعي يرتبط بظروفه وملابساته ارتباطًا كاملًا، يرتبط بالزمان والمكان والأشخاص والإمكانات والأحوال، وكأنه يقول: هذا الحكم لهذه الحادثة وما شابهها في جميع ملابساتها، وهذا معنى قولهم: إن الخطاب الشرعي للحاضرين وقت الخطاب، ويكلف به من يأتي بعدهم عن طريق القياس، فإذا قال الله تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم} [النور: 11] فالخطاب للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ونحن في القرن العشرين مكلفون بهذا عن طريق القياس، فإذا وقع إفك مشابه، وخاض فيه بعضنا وجب علينا أن لا نحسبه شرًا لنا، وأن نؤمن بأنه خير لنا، وعلينا إذا سمعناه قلنا: {ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم} [النور: 16] .

وهذا معنى أن الإسلام وشرائعه صالح لكل زمان ومكان، أي إذا وقعت واقعة مشابهة من جميع الوجوه لواقعة صدر فيها حكم شرعي أمام نزول الوحي، نقل إلى الأخيرة حكم الأولى.

خذ مثلًا حديث"من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وعنده منه شيء"هذا الحكم العام فهم منه الصحابة أنه مرتبط بظروفه، وأنه صدر في عام مجاعة، فلما كان العام المقبل سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: نفعل في أضحيتنا ما فعلنا في العام الماضي؟ قال: لا. كلوا وأطعموا، وادخروا، فإن ذاك العام كان بالناس جهد، فأردت أن تعينوا فيه.

وعلى هذا فنحن مطالبون شرعًا في أضحيتنا بما طولب به الصحابة في أضحيتهم إذا وقعت الظروف المشابهة وقد ربطت بعض الأحكام الشرعية بظروفها صراحة، كما في الحديث السابق، وكما في قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [النساء: 43] فقد بين في الآية أن التيمم وجوازه مرتبط بعدم وجود الماء فعلًا أو حكمًا، كالمريض.

لكن الكثير من الأحكام الشرعية ارتبط بظروفه قطعًا دون تصريح بهذا الارتباط.

خذ مثلًا حديث"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد -أي بحفنة واحدة من الماء- ويغتسل بالصاع"-أي بأربع حفنات، أي كان يغتسل بأقل من لتر، ويتوضأ بأقل من ربع لتر، وكان يغتسل هو وعائشة من إناء صغير، يغترفان منه سويًا، حتى تقول له: دع لي. دع لي. فهل نغتسل مثل هذا الاغتسال وصنابير المياه"والدش"تملأ البيوت؟ والماء كثير يفيض عن الحاجات؟ اللهم. لا، لكن إن وقعنا في ظروف اغتسال الرسول صلى الله عليه وسلم اغتسلنا مثل اغتساله، وتوضأنا مثل وضوئه.

هذه الظروف نفسها هي التي جعلت الاستجمار بالأحجار -أي مسح أثار البول والغائط، بالأحجار، بعد التبرز، مغنيًا عن غسل تلك الآثار بالماء، مع أن الآثار يقينًا تبقى بعد المسح بالأحجار، مهما تصورنا حصول النقاء. فهل نفعل اليوم مع وجود الماء وتيسر استعماله كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته؟ عند ندرة الماء وقلته؟ اللهم. لا. لكن إن وقعنا في ظروف استجمار الرسول صلى الله عليه وسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت