أما قول أنس في الرواية العاشرة"أنه أبصر في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمًا من ورق، يومًا واحدًا"فيحمل على أنه رآه كذلك في يوم، واستمر في يده صلى الله عليه وسلم أكثر من اليوم، فقوله"يومًا واحدًا"ظرف لرؤية أنس، لا لمدة اللبس، وما عند النسائي عن ابن عمر"اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتمًا من ذهب، فلبسه ثلاثة أيام"ظرف لمدة اللبس، وإن قلنا: إن رواية ابن شهاب لا وهم فيها، وجمعنا بما تقدم، فمدة لبس خاتم الذهب ثلاثة أيام، كما في حديث ابن عمر هذا، ومدة لبس خاتم الورق الأول كانت يومًا واحدًا، كما في حديث أنس، ثم لما رمى الناس الخواتيم التي نقشوها على نقشه، عاد فلبس خاتم الفضة، واستمر إلى أن مات.
(ونقش فيه: محمد رسول الله) في الكلام مجاز مرسل، أي أمر الصانع أن ينقش فيه، وفيه مضاف محذوف، أي في فصه، وقد روى البخاري عن أنس"أن أبا بكر رضي الله عنه لما استخلف كتب له، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، رسول سطر، والله سطر"قال ابن بطال: ليس كون نقش الخاتم ثلاثة أسطر أو سطرين أفضل من كونه سطرًا واحدًا، قال الحافظ ابن حجر: قد يظهر أثر الخلاف في أنه إذا كان سطرًا واحدًا يكون الفص مستطيلًا، فإذا تعددت الأسطر أمكن كونه مربعًا أو مستديرًا، وكل منهما أولى من المستطيل. اهـ ورواية البخاري السابقة صريحة في أن النقش ثلاثة أسطر، ولما كانت الأسطر تقرأ عادة من الأعلى، ثم السطر الذي أسفله وهكذا، كان ظاهر الرواية أن لفظ"محمد"كان في أعلى الأسطر، ولفظ الجلالة في ثالث الأسطر، هكذا (محمد رسول الله) ** وظاهر رواية الإسماعيلي تفيد ذلك، ففيها"محمد سطر، والسطر الثاني رسول، والسطر الثالث الله"قال الحافظ ابن حجر: وأما قول بعض الشيوخ: إن كتابته كانت من أسفل السطور إلى فوق، يعني لفظ الجلالة في أعلى الأسطر الثلاثة، ومحمد في أسفلها هكذا (محمد رسول الله) ** فلم أر التصريح بذلك في شيء من الأحاديث. اهـ
وعلى هذا القول الأخير لا يليق أن تقرأ الكلمات من السطر الأعلى إلى الأسفل [الله. رسول. محمد] بل القراءة حينئذ تكون من الأسفل إلى الأعلى، ولك أن تقرأ"رسول"بالتنوين وعدمه، و"الله"بالرفع وبالجر، لكن الجر أولى.
ولا يخفى أن الختم بهذه الكلمات يقتضي أن تكتب الأحرف المنقوشة مقلوبة، ليخرج الختم على هيئة القراءة السليمة.
هذا هو التحقيق في نقش خاتمه صلى الله عليه وسلم، أما ما جاء عند أبي الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم"عن أنس قال: كان فص خاتم النبي صلى الله عليه وسلم حبشيًا، مكتوبًا عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهو ضعيف، وهذه الزيادة شاذة، وكذا ما ذكره ابن سعد من مرسل ابن سيرين من أن الخاتم كان عليه:"بسم الله محمد رسول الله"فإنه لم يتابع على هذه الزيادة، وكذلك ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه أخرج لهم خاتمًا، فزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبسه، فيه تمثال أسد"ففيه مع إرساله ضعف.