أسبابُ النجاةِ والحياةِ، وتأمَّلوا كلام اللهِ تعالى محرضًا المؤمنينَ على القتال والصبر والثباتِ عند ملاقاة الأعداء، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] .
وقال تعالى: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] .
فالذي يتأملُ البيانَ القرآنيَّ يجدُ أن اللهَ سبحانه تعالى جعلَ التقوى والإيمانَ أمرينِ ملازمينِ للصبر والثباتِ، فتقوى اللهِ والإيمانُ به يُميِّزانِ بين العبادِ المؤمن منهم والكافرِ، البرِّ والفاجرِ، وإنَّ مَن فتحَ اللهُ بصيرتَه وأنارَ قلبَه أصبحَ على يقينٍ أنَّ الخلاصَ الوحيدَ لأهلِ الشامِ إنما ينحصرُ بالاعتِصام بكتابِ اللهِ واتِّباع أوامرهِ وأن يكون رضا اللهِ سبحانه وتعالى هو غايه العبد ومبتغاهُ عندها تكونُ المعيَّةُ الإلهيةُ، فهاكُم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يضربُ لنا أروعَ الأمثلةِ بالثبات عند الابتلاء إذ قام بتثبيتِ صاحبِه عندما قال له وهما في الغار: يا رسولَ الله لو أن أحدَهم نظرَ الى قدميه أبصرنا تحت قدميه. فقال له - صلى الله عليه وسلم - معلمًا إياه وللأمةِ أجمع (ما ظنُّك باثنينِ اللهُ ثالثُهما) رواه مسلم.
ولنتأمل حديث خباب رضي الله عنه عندما جاءَ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد لقيَ المسلمونَ ما لقُوا منَ أذى المشركينَ، فقال رضي الله عنه شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة قلنا له ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: (كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون) رواه البخاري.
ففي الحديثِ اشارة منه - صلى الله عليه وسلم - أنه مَن كان على الحقِّ لابٌدَّ أن ينصرَه اللهُ ويمكنَ لهُ كما وعدَ اللهُ تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21] .
وعلينا أن نتحلى بأعلى درجاتِ الصبرِ فإن النصرَ مقرونٌ بالصبر، قال - صلى الله عليه وسلم: ( ... واعلم أن النصرَ مع الصبرِ وأن الفرجَ مع الكربِ وأن مع العسرِ يسرا) حديث حسن.
ونجد أن كثيرا من الصحابة رضي الله عنهم قد نذروا أنفسَهم لنصرةِ الإسلامِ ونصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ أن أسلموا، فمن روائعِ المواقفِ التي شَهِدتْها معركةُ بدرٍ يخرجُ عميرُ بنُ الحُمامِ الأنصاريُ رضي الله عنه لما سمعَ قولَ النبيِ: