فللذين يستبطئون النصر المادي أقول: إن هذه المعركة القائمة في اليوم الشام هي المعركة الفاصلة بيننا وبين أعداء الله من كل النحل والملل، فتلك لا تكون إلا قُرب قيام الساعة وإمامُ المسلمين يومئذ عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فصبرًا صبرًا أيها المؤمنون.
وللذين يستبطئون النصر أقول: اقرأوا إن شئتم قول ربنا -جلّ وعلا-: {وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} .
ثم تأملوا قوله سبحانه: {لانتَصَرَ مِنْهُمْ} فلم يقل:"لنصركم"لأن النصر حاصلٌ -بإذن الله- ولكنه خصّ هنا النصر المادي الظاهر والغلبة وهزيمة أهل الكفر، فلو شاء لأهلكهم لكنه -سبحانه وتعالى- يؤخّر ذلك لحكمة الابتلاء والامتحان.
وكما قال تعالى في الآية الأخرى: {ما كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} ؛ فيميز من ينصرُ إخوانه بما لديه من وسائل النصر وإن قلَّت من الذين يخذلونهم ناهيك عمَّن يخونوهم ويطعنونهم في ظهورهم.!
وقد سئل الإمام الشافعي -رحمه الله- أيهما أفضل للرجل أن يمكَّن أو يُبتلى؟ فقال: لا يمكَّن حتى يُبتلى.
فالنصر لا يأتي سهلًا ولا يأتي بدون تضحيات، وإذا كان المرء قد يبذل كثيرًا من وقته وجهده وعمره من أجل تحصيل منفعة دنيوية فانية، فهل يستقيم في ميزان العقول أن يأتي نصر الدين على طبق من فضة دون تضحيات من أهله ودون ألم وأذى في سبيل الله؟!
فيا أهلنا في التل يا من وقفتم في وجه الظلم والطغيان ورفضتم مشاريع الطغاة والغلاة، يا من كنتم لأهلينا المشرَّدين خير معين؛ إن إخوانكم المجاهدين المرابطين على الثغور في منطقة التل لا يرضون بأن يكونوا سببًا في سفك دماء المسلمين أو هدم ديارهم، بل إن حفظ دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم من أولى أولوياتهم، فما خرجوا إلا نصرةً لهذا الدين، ولكنهم أيضًا لا يرضون بأي حال من الأحوال أن يسلموا مسلمًا أو مسلمةً للروافض والنصيريين، ولأن تراق دمائهم خيرٌ لهم من أن يلقوا الله وقد خانوا الأمة وخذلوا المسلمين المستضعفين، ففي الحديثِ عنه صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يُسلمه ولا يخذله) .