الصفحة 23 من 41

سابعًا: حقيقة التوبة:

من المعلوم شرعًا أن المرء إذا كفر بسبب فإنه لا يصحّ إسلامه بعد ذلك حتى يرجع عمّا كفر به على الخصوص، فإذا استحلَّ المرء الخمر مثلًا بعد علمه بالتحريم وكفر وارتد، فإذا أراد الرجوع إلى الإسلام وجب عليه أن يرجع عن اعتقاد الاستحلال المذكور، أي أنه يُعلن أن الخمر حرام؛ لأن استحلال الخمر سبب كفره، فاعتقاده بتحريمها سبب إسلامه زيادة على الإقرار العام (الشهادتين) ، وهكذا في بقية النواقض.

ثم تنزيلًا على السؤال نقول: إذا افترضنا أن الشخص وقع في فعل مكفّر وهو لا يدري أنه مكفّر، أو له أدلة أو فتاوى ظنها صحيحة تُبيح له فعِل ما فَعل، فالقاضي أو المفتي يبيِّن له خطأ علمه وفعله ويأمره بالتوبة فيستغفر الله ويقلع عن فعله، وحكمه أنه وقع فيما وقع فيه خطأً والله يغفر الخطأ لانتفاء القصد.

وأما قولكم:"يتبرّأ من الكفر ويعتقد أنه كان على كفر"فلا أدري ما وجهها، فالمعلوم شرعًا أن البراءة من الكفر هي الركن الأعظم من التوحيد؛ والمقصود بالبراءة من الكفر في مسألتنا هو البراءة من السبب الذي ارتد به الشخص المسؤول عنه (العقود إذا كانت صريحة في الكفر) .

وقول السائل:"ويعتقد أنه كان على كفر"..

أقول: هذا الاعتقاد إنما يقع بعد البيان له لتتمَّ التوبة وتصحَّ من السَّبب المكفّر، وليس معنى هذا أن يُعلن بلسانه بأنه كان كافرًا، فهذا ليس بشرط؛ لأن توبته من فعله المكفّر بالقول كافية في الدلالة على ذلك الاعتقاد، أي أن توبته من السبب المكفّر اعتراف ضمني أنه كان كافرًا، أما الذي لا يعتقد أنه واقع في مكفّر، أو أنه كفر كيف يتوب؟!

فكل إنسان يقع في مخالفة شرعية -الكفر فما دونه- حين يتبيَّن له الحق يُقلع عن الذنب، وطبعًا تتغيَّر قناعته بإدراكه أنه كان مخطئًا، وإلا لماذا يتوب؟!

أما إن كنت تقصد أنه كان مرتدًّا تنزل عليه أحكام المرتد فهنا يجب أن نفرّق بين الأسماء والأحكام؛ فنحن حتى وإن سميناه مرتدًّا لتلبُّسه بفعل مكفّر، فلا نُنزل عليه أحكام المرتد حتى نُقيم عليه الحجة.

ونختم بمثل ما بدأنا به الجواب، وهو النصح بالتأنِّي في مسائل التكفير وتوقِّي الحكم بالكفر بمن ثبت إسلامه بيقين، وتحرِّي التفصيل والتدقيق؛ فهذه المسائل لا تصلح فيها العمومات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت