ثانيًا: معنى الاستتابة:
يراد بالاستتابة معنيان:
الأول: طلب التوبة ممن حُكم عليه بالردة.
الثاني: تبيُّن الشروط والموانع قبل الحكم عليه بالردة، وهذا هو الذي نريد التنبيه عليه هنا.
ومنه تعرف أن عبارة العلماء التي ترد كثيرًا في كتب الفقه وغيرها: [من قال أو فعل كذا يستتاب .. إلخ] ؛ أنها لا تعني دائمًا أن المشار إليه قد كفر وتطلب منه التوبة، بل قد تعني أنه قد صدر منه فعل أو قول مكفّر، ويحب تبيُّن حاله، أي تبيُّن الشروط والموانع في حقه، وبعدها إما أن يُحكم ببراءته من الكفر لتخلُّف شرط من شروط التكفير أو قيام مانع من موانعه في حقه، وإما أن يُحكم بردَّته إن تحققت الشروط وانتفت الموانع، فتُطلب منه التوبة، وهي النوع الثاني والأخير من الاستتابة، الذي يكون قبل إقامة حد الردة عليه.
ولذلك فلا يحل التعجُّل في أخذ مثيلات هذه العبارة وإطلاقها أو إعمال بعض توابعها في الناس دون النظر في مقصود أهل العلم فيها، ويجب التنبيه إلى أن المقدور عليه من الناس ليس كالممتنع في هذا.
ثالثًا: معنى الامتناع:
الامتناع يرد على معنيين:
الأول: امتناع عن العمل بالشريعة جزئيًّا أو كليًّا.
الثاني: امتناع عن القدرة، أي قدرة المسلمين أن يُوقفوه ويحاسبوه ويحاكموه لشرع الله.
ولا تلازم بين النوعين؛ فقد يكون الممتنع عن العمل بالشريعة مقدورًا عليه في دار الإسلام، كمن امتنع عن الزكاة وهو فرد مقدور عليه في دار الإسلام.
وقد يجتمعان، فيمتنع الممتنع عن الشريعة بدار كفر أو بشوكة وطائفة وقانون وسلطان دولة، بحيث لا يتمكَّن المسلمون من إنزاله على حكم الله تعالى وإقامة حد الله عليه.
والممتنع عن القدرة عليه، قد يكون محاربًا باليد، وقد يكون محاربًا باللسان فقط.
والممتنع يمتنع إما بدار الكفر، فيلتحق بها فيمتنع بشوكة أهلها الحربيين أو بدولتهم وسلطانهم وقانونهم بحيث يأبى النزول على أحكام المسلمين، ولا يتمكَّن المسلمون من إقامة حكم الله عليه، أو يمتنع بطائفة وشوكة بين المسلمين تمنعه من المسلمين وحكمهم.
والمقدور عليه لا يمتنع عن النزول على حكم الله وشرائعه، ولا يمتنع عن سلطان المسلمين، ولا يمتنع بسلطان الكفار وشوكتهم ودولتهم وقوانينهم.
لذلك الاستتابة متعذّرة في حق الممتنعين بخلاف المقدور عليهم؛ فالمقدور عليه الواجب استتابته قبل الحكم عليه بالتكفير، أي أنه يجب النظر في شروط التكفير وموانعه في حقه، هل قام مانع من تكفيره أو عُدم شرط.
قال شيخ الإسلام: [وأما من لم تقم عليه الحجة، مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلِط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يُستثنون من تحريم الخمر كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر وأمثال ذلك، فإنهم يُستتابون وتُقام الحجة عليهم، فإن أصرّوا كفروا حينئذ، ولا يُحكم بكفرهم قبل ذلك، كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل] .اهـ.
فإن ثبت عليه التكفير لم يُقتل ولم يزُل مُلكه عن أمواله حتى يُدعى إلى التَّوبة والعودة إلى الإسلام، وهو النوع الآخر من الاستتابة. ولا تهراق الدماء إلا بالأمر الواضح كما نقل القاضي عياض عن القابسي، ولا يزول ملكه حتى يُقتل مرتدًّا لاحتمال عودته إلى الإسلام.
ويتفرَّع على هذه المسألة، التنبيه إلى أن وصف شخص أو طائفة بالامتناع ليس حتمًا حكمًا عليها بالكفر، بل ينبغي النظر في حقيقة ما امتنع عنه هل هو مكفّر، ثم بمن امتنع.