يا خديجة، هذا جبريل يقرئك السلام من ربك. فقالت: لله السلام ومنه السلام، وعلى جبريل السلام.
ولعمرك أنها لمثوبة من الله ما ظفر بها أحد من السابقين الأولين، والخلفاء الراشدين ذلك لأن موقفها يومئذ أبرُّ برسول الله، وآثر في بسط دعوته، وتأييد أمره، من مواقف الأبطال المُعْلمَةِ، على الخيل المسَوَّمَة.
وفي السنة التاسعة من ذلك الجهاد العظيم، ماتت خديجة، فاشتد حزن رسول الله على أعز نصرائه، وأصدق وزرائه.
ماتت خديجة ولكن عظمة المرأة لم تمت، فقد خلفنها على رعاية النبي وتأييده وتثبيته وتدبيره، امرأة لم تكن دونها رأيًا، ولا عطفًا ولا عقلا، ولا جاهًا ولا منصبًا وتلك هي فاطمة بنت أسد زوج أبي طالب بن عبد المطلب، عم النبي، وأم أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب، قائد المسلمين، وصهر النبي الأمين.
لم تكن فاطمة رضي الله عنها خلفًا من خديجة فحسب، بل كذلك خلفًا من ابي
طالب في الذود عن النبي؛ والانتصار له، ورفع الصوت حرًّا نديًا في سبيله ولم يزل ذلك شأنها؛ حتى هاجر رسول الله إلى مهبط أمنه. ومستقرّ أنصاره، فتبعته في هجرته. فكان بيتها في المدينة؛ كما كان في مكة؛ مآبًا طيبًا، ومقيلا كريمًا.
وكما كانت فاطمة في نصرة الله وتأييد رسوله، منقطعة القرين كذلك كان لها رسول الله يوم لحقت بربها. فقد كفنها في ثوبه؛ ونزل في قبرها، واضطجع فيه، فكان حقا على القبر للنبي صلى الله عليه وسلم: ما رأيناك صنعت بأحد ما صنعته بهذه فقال: إنه لم يكن بعد أبي طالب أبرّ بي منها.
ذلك فضل الله يختص به من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.