كانت أم جعفر بن يحيى - وهي فاطمة بنت محمد بن الحسين بن قَحْطيَة - أرضعت الرشيد مع جعفر، لنه كان رَبى في حجرها، وغَذي برسلها، لأن أمه ماتت عن مهده فكان الرشيد يشاورها مظهرًا لإكرامها، والتبرك برأيها. وكان آلى وهو في كفالتها أن لا يحجبها، ولا استشفعته لأحد إلا شَفَّعها، وآلت أم جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذونًا لها، ولا شفعت لأحد مقترف ذنبًا. قال سهل بن هارون: فكم أسير فكت ومهم عنده فرجت؛ ومستغلق فتحت.
ولما فتك الرشيد بابنها جعفر، وقذف بزوجها وبقية أسرتها في غياهب السجن بعد إيقاعه بالبرامكة - طلبت الإذن عليه في دار البانوقة، ومتت بوسائلها إليه، فلم يأذن لها، ولا أمر بشيء فيها. فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها واضعة لثامها؛ محتفية في مشيها، حتى صارت بباب قصر الرشيد؛ فدخل عبد الملك بن الفضل الحاجب فقال: ظئر أمير المؤمنين بالباب في حالة تقلب شماتة الحاسد إلى شفقة أم الواحد. فقال الرشيد: ويحك يا عبد الملك، أو ساعية، قال: نعم يا أمير المؤمنين، حافية! قال ادخلها يا عبد الملك، فرب كبدٍ غذتها، وكربة فرجتها؛ وعورة سترتها، قال سهل قال يهل: فما شككت يومئذ في النجاة بطلابها، وإسعافها بحاجتها، فدخلت؟ فلما نظر الرشيد إليها داخلة محتفية قام محتفيًا حتى يلقاها بين عمد المجلس، وأكب على تقبيل رأسها، ومواضع ثدييها ثم أجلسها معه فقالت: يا أمير المؤمنين! أيعدو علينا الزمان، ويجفونا خوفًا لك الأعوان ويحرك بنا هاتان وقد ربيتك في حجري، وأخذت برضاعك الأمان من عدوي ودهري؟ فقال لها: وما ذلك يا أم الرشيد؟ قال سهل: