نافس أخاه في سلطانه، فاعرف لعبد الله حق ولادته وأخوته ولا تَجْبَههُ بالكلام فإنك لست نظيرًا له، ولا تقتسره اقتسار العبيد، ولا توهنه بقيد أو غل، ولا تمنع عنه جارية أو خادمًا ولا تعنف عليه في السير، ولا تساوره في المسير، ولا تركب قبله وخذ بركابه إذا ركب، وإن شتمت فاحتمل منه.
فهل عرف المأمون أو بطانته أن يوصوا طاهر بن الحسين بمثل هذا؟ ونعود إلى ما نوهنا بالقول عنه في عين زبيدة فنقول:
إذا قيست الآثار بما تنال على الدهر من خلود، وما ينال الناس منها من دفع غائلة، وتنفيس ضائقة، فكل عمل دون ذلك العمل الجليل، مهين ضئيل.
وليس جلال الأثر أن تذهب به أقطار السماء، وتريق على جنباته دماء الضعفاء؛ ثم لا يكون للناس منه إلا أنه جبل يسامي الجبل الأشم، والغراب الأعصم، فإن ذلك سمة من سمات الظلم، ونزعة من نزعات الاستبداد، ولعمري إن كوخًا من هشيم الكلأ لامرأة ضعيفة معوزة، أعظم وأفضل في شرعه الإنصاف منه.
لذلك كانت عين زبيدة أثرًا صالحًا تفنى الآثار وتتحطم المعالم.
لم يكن لأهل مكة من المناهل إلا المسايل التي يجودها المطر أحيانًا، وبعض البئار التي تفيض آنًا وتجف آنًا، فإن جفاهم الغيث عامًا فالويل لهم ولكل راغية وثاغية عندهم.
أما الحجاج فكانوا يحتملون من قرب ما يؤودهم ويوقر ظهورهم، ولقد أخذ بقلب زبيدة العظيم ما علمت في حجها أن رواية الماء تباع بدينار وأن الفقير إنما يتبلع بما يتساقط من قطرات الغنى فاعتزمت روّى الله بدنها أن تحفر