الأندلس إلى الذروة العليا من عزة الجانب ونضارة الحضارة وطيب العيش ونعيم الحياة لم يصف له من دهره - كما قال - إلا أربع عشرة ليلة، وقد أقام في الملك خمسين عامًا.
وبحقٍّ لقد استحظى كثير من ملوك بني أمية كثيرًا من الجواري الروميات والصقالبيات وبذلوا لهن أفضل ما يتمنين من رغيد العيش وبعيد الآمال، ولكنهن لم يفسدن العنصر العربي لأنهنّ لم يكنّ بالكثرة التي تمكنهن من غلبة الرجال على أمرهم وإفساد ما بينهم وبين نسائهم، ولم يكن من خلابة الفارسيات ولباقتهنّ واحتوائهن على ألباب الرجال في قليل ولا كثير، ذلك إلى أنهن لم يكنّ يعتمدن - كما كان الفارسيات يعتمدن - على فريق من الرجال يشدّون أزرهنّ، ويُنْهجون طريقهنّ، ويستثمرون نفوذهن في بيوت الخلفاء والوزراء.
لم يكن أولئك الجواري إذًا سوى وسائل لهو وأدوات زينة، لأنهنّ لم يملكن من أسباب اقتياد الرجال إلا الجمال وحده، وللمتعة بالجمال حدّ ينتهي إليه، ومهما بلغت فإن غايتها إلى ابتذال وملال.
ولم يكن ذلك العهد الأموي بالأندلس عهد لذات مجترَحَة ولا حرمات مباحة ولم يظهر من الناس من دأُبه قذف المحصنات، وإشاعة الفاحشة بين الناس كما كان يفعل ذلك شعراء الفرس وأدباؤهم في بغداد لتوهين الأعراض وإباحة الحرمات.
وكان للدين سلطان مبين على الأعلياء والدَهماء، ومما زاد الروح الديني استطارة واستفاضة تلك الشوكة العظيمة التي كان المسلمون يقابلون بها عدوان الجلالقة وغيرهم من المترصدين للعرب والإسلام.
من أجل ذلك لم يكن طريق المرأة الأندلسية وعرًا ولا ضيقًا حرجا، بل كان واضحًا قصدًا وصراطًا قويما، لا لغو فيه ولا تأثيم، فلم يكن بدعا أن تسير