ومن الفلاسفة الآخرين الذين اهتموا بالفكر السياسي وكان لهم اثربارز على من جاء من بعدهم وخاصة ابن سينا، فهو الفارابي (ت339ه/950م) اذ وردت افكاره السياسية في عدة مؤلفات منها (رسالات تحصيل السعادة) و (السياسات المدنية) و (رسالة السياسة) ، وكتابي (آراء أهل المدينة الفاضلة) و (الفصول المدنية) [1] .
وتحتل السياسة عند الفارابي المنزلة الأولى لارتباطها بالدين، وهي نظر ومعرفة مرتبطة بالسلوك والواقع، والسياسة الفارابية اهتمام بالانسان من حيث هو كائن، يحيا في مجتمع ويقوم بانشطة مختلفة ويقيم علاقات ويبني سلطة، فالسياسة عند الفارابي تقوم على الفلسفة مثلما تقوم الفلسفة على السياسة، ويرى الفارابي ان المثل الأعلى يتجسد في الحاكم الفيلسوف او في الامام الذي يكون خليفة ومعلمًا، كما ان السياسة عنده هي تقصي ونظر حيث يقول:"ان انفع الامور التي يسلكها المرء في استجلاب علم السياسة وغيره من العلوم ان يتأمل احوال الناس واعمالهم وتصرفاتهم ما شهدها وما غاب عنه مما سمعه وتناهى اليه منها وان يمعن النظر فيها ويميز بين محاسنها ومساوئها وبين النافع والضار لهم منها"، كما توجه السياسة العناية للسلوك وللنظر وهي علم أولًا وهي الارفع، وهي علم شامل اراد من خلاله الفارابي ان يبني المجتمع والمدينة والمعمورة ويعم الخير والفضيلة المعمورة، كما اكد بأن البناء الاقتصادي للمجتمع يجب ان تشرف عليه الدولة لضمان نجاحهُ [2] .
أما اخوان الصفا فقد اعتبروا علم السياسة رابع العلوم الالهية، وقد صنفوه ضمن العلوم التطبيقية التعليمية وجعلوه في خمسة أقسام: السياسة النبوية، السياسة الملوكية، السياسة العامية، السياسة الخاصية والسياسة الذاتية. والاولى تتعلق
(1) . ... القفطي، اخبار العلماء، ص183و184؛ سعد، تراث الفكر، ص233.
(2) . ... مطلك، الفلسفة السياسية، مجلة افاق، 1995، ص 36 .