فهرس الكتاب
... لذلك وجب على المسلم ان يلم المامًا ولو يسيرًا بهذه اللغة، فأذا ما تعمق فيها فقد استحق بين اهله وابناء قومه مكانة رفيعة ومنزلة عالية. وان لغات الشعوب التي اعتنقت الاسلام قد غمرها سيل من الالفاظ العربية يتكون من العبارات الفنية المتعلقة بالدين والفقه، ثم من مصطلحات العلوم الوضعية التي نشأت في ظلال الحضارة الاسلامية، ثم من مجموعة من الالفاظ العادية استطاعت ان تحل محل الكلمات الاصيلة في لغات هذه الشعوب [1] .
... وقد وصف ابو حيان العربية قائلًا:"تمتاز بسعة لغتها وتصاريف كلامها في اسمائها وافعالها وحروفها، وجولانها في اشتقاقاتها، ومآخذها البديعة في استعاراتها، وغرائب تصرفها في اختصاراتها، ولطف كتاباتها في مقابلة تصريحاتها، وفنون تبحبحها في اكناف مقاصدها، وعجيب مقاربتها في حركات لفظها؛ ونصوعها، اعني الُفَرج التي في كلماتها، والفضاء الذي نجده بين حروفها، والمسافة التي بين مخارجها، والمعادلة التي تذوقها في امثلتها، والمساواة التي لا تجحد في أبنيتها؛ واذا شئت ان تعرف حقيقة هذا القول، وصحة هذا الحكم، فألحظ عرض اللغات الذي هو بين اشدها تلابسًا وتداخلًا، وترادفًا وتعاظُلًا وتعسُّرا ًوتعوُّصًا، والى ما بعدها مما هو اسلس حروفًا، وارق لفظًا، وألطف أوانًا، وأحضَرُ عيانًا، واحلى مخَرَجا ًواحلى منهجًا واعلى مدرجا ًواعدل عدلًا، واوضح فضلًا واصحّ وصلًا الى ان تنزل الى لغة بعد لغة ، ثم تنتهي الى العربية في الافصاح والايماض" [2] .
(1) . ... ن. م ، ص14.
(2) . ... التوحيدي، ابو حيان (ت414ه/1023م) ، الامتاع والمؤانسة، [القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1353ه/1944م] ، ج1، ص76 وما بعدها.