الثالث: أن يأمر الله العبد بشيء ليمتحن العبد هل يطيعه أم يعصيه؟.
ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر الله إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - بذبح ابنه إسماعيل، فلما أسلما وتله للجبين، حصل المقصود من قوة الامتثال والطاعة، فداه الله بذبح عظيم كما قال سبحانه: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) } [الصافات: 103 - 107] .
والله تبارك وتعالى منَّ على عباده بهذا الدين العظيم، والقرآن المجيد، والرسول الكريم، والهدي المستقيم.
فإن قيل فأي حكمة في تكليف الثقلين، وتعريضهم بذلك للعقوبة، وأنواع المشاق والمكاره .. ؟.
قيل: إن الله خلق المخلوقات، وجعل لها سننًا تسير عليها، فالشمس لها سنة، والقمر له سنة، والليل له سنة، والنهار له سنة، والنبات له سنة، والحيوان له سنة، والرياح لها سنة، والبحار لها سنة.
وكذلك الإنسان مخلوق من مخلوقات الله، محتاج إلى سنة يسير عليها في جميع أحواله، ليسعد في الدنيا والآخرة، وهذه السنة هي الدين الذي أكرمه الله به ورضيه له، وسعادته أو شقاوته مبنية على مدى تمسكه به، أو إعراضه عنه، وهو مختار في قبوله أو رده كما قال سبحانه: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] .
وكذلك لولا التكليف لكان خلق الإنسان عبثًا وسدى، والله يتعالى عن ذلك، وقد نزه نفسه عنه، كما نزه نفسه عن العيوب والنقائص كما قال سبحانه: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) } [المؤمنون: 115] .
ومعلوم أن ترك الإنسان كالبهائم مهملًا معطلًا لا يؤمر ولا ينهى مضاد للحكمة، فإنه خلق لغاية كماله، وكماله أن يكون عابدًا لربه، محبًا له، مطيعًا له كما قال سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } ... [الذاريات: 56] .