والسّعيدُ هو الراغِب في رحمةِ الله الرّاهِب من عذابِه الخاضِع المتذلّل في عبادتِه لمولاه، وتلك المحامِدُ السنيّة اتَّصفَت بها بيوتُ الأنبياء، قال سبحانه عن زكريّا وأهلِه: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90] .
والرّسُل سبَّاقون إلى الرغبة فيما عند الله، قال جلّ وعلا لنبيِّه محمّد: وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح:8] ، وهي تنحسِر عن العبدِ على قدرِ ذنوبه، وتزيد بزيادةِ إيمانه، قال ابن القيم رحمه الله:"إذا أرادَ الله بعبدِه خيرًا وفَّقه لاستفراغِ وسعِه وبذلِ جهده في الرّغبة والرّهبة إليه، فإنهما مادَتَّا التوفيق، فبقدرِ قِيام الرّغبة والرّهبة في القلبِ يحصل التوفيق".
والخشيةُ من المخلوقِ ذلٌّ ومَهانة، ومن خَشِي من خالقِه عاش عَزيزًا، وفي حياتِه سعيدًا، وأنار بصيرتَه فكان متذكِّرًا، قال سبحانه: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى [الأعلى:10] ، واتَّعَظ بالمواعظ والعِبَر، قال جلّ وعلا: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى [النازعات:26] وكان كتابُ الله له سعادَة وذِكرًا: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى [طه:2، 3] ، وهي موجِبَة لمغفِرة الله وجزيل نواله: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12] .
فاجعَل ربَّك بين ناظِرَيك، واخشَ الأمنَ من مكره وحلولِ عقوبته، ولا تخشَ غيرَ الله في قطع رزقٍ أو تأخّر شفاء أو حلولِ شقاء، قال سبحانه: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة:150] .