وهذا الحديث احتجَّ به الإمام أحمد ~ في أنَّ الرجل يجوز له أن يختبأَ للمرأة , وأن يرى منها أكثر من الوجه والكفين؛ لأن عامة أهل العلم اتفقوا على استحباب أن ينظرَ الرجل إلى المرأة , إن كان ينظر إليها لخِطبة.
وذهب البعض - كما قال ابن رشد - إلى أن هذا ممنوع.
قال الحافظ: وهذا مخالف للأدلة الصحيحة , ولِأقوال أهل العلم , فلا يُلتفت إليه.
وحَكَى القاضي عياض الكراهة , ولا وجه لهذا القول.
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - فعل هذا , وأمر أصحابه , وأمر الأمة أن تفعل هذا.
(( ما هي حدود النظر للمخطوبة ) )؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن الذي يُرى من المرأةِ: الوجه والكفين فقط.
قال أبو حنيفة: والقدمين.
وقال الأوزاعي ~: ينظر إلى مواضعَ اللحمِ منها.
وقال أحمد ~: يختبأ لها , وينظر إليها وإلى ما يدعوه إلى نِكاحها؛ لحديث جابر .
ومما يدل على هذا: الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي حُميدٍ الساعدي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِخِطْبَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ [1] .
فقوله:"فَلَا جُنَاحَ"يدل على أن الأمر بالنظر ليس للإيجاب.
وهذه الزيادة:"وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ"فيها ردٌّ على الإمام مالك الذي قال:"لا ينظر إليها إلا بإذنها", والجمهور لم يعتبروا الإذن.
وكذلك في حديث محمد بن مسلمة - رضي الله عنه - الذي أخرجه أحمد وابن ماجة بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إِذَا أَلْقَى اللَّهُ - عز وجل - فِي قَلْبِ امْرِئٍ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا [2] .
هذه بعض الأدلة التي وَرَدَت في هذا الباب.
وذهب أهل الظاهر إلى أنه ينظر إليها ما عدا السوأتين.
(1) - أخرجه أحمد (23602, 236032) . وصححه الألباني في صحيح الجامع (507) .
(2) - صحيح: أخرجه ابن ماجة (1864) في كتاب النكاح , باب: النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها. وأحمد (16028, 17976, 17981) . وصححه الألباني في صحيح الجامع (389) , والسلسلة الصحيحة (98) .