فالبكر إذنها صماتها بنص كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - , وهذا هو قول أهل العلم , منهم شُرَيْح القاضي , وعامر الشَّعبي , وإبراهيم النَّخعي , والأوزاعي , والثَّوري , وأبو حنيفة , وإسحاق بن راهويه , وعامة أهل العلم.
إلا أنَّ أصحاب الشافعي قالوا: إن كانت هذه البكر يتيمة , وكان المُنكِحُ لها غير الأب والجد , وجهان:
الوجه الأول: موافق لِما عليه عامة أهل العلم.
والوجه الثاني: أنه لا يُكتفى في حقها بالإذن , ولابد أن تنطق.
قال ابن قدامة ~: وهذا شذوذ عن أهل العلم , ومخالفة للأخبار الصحيحة الصريحة , يُصان الشافعي ~ عن إضافة هذا المذهب إليه , ونسبته إليه؛ لأن الشافعي كان من أَتْبَعِ الناس لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ومما يدل على بطلان هذا الوجه: حديث أبي هريرة الذي ذكرتُه: لاَ تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ , وَلاَ تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ.
قال الحافظ ابن حجر ~ - وهو من الشافعية: والصحيح الذي عليه الجمهور أنَّ هذا الحديث عام في الأبكار المستأذنات بالنسبة لجميع الأولياء.
ومما يدل على هذا أيضًا: ما ثبت عند الخمسة إلا ابن ماجة بإسناد حسن من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ في نَفْسِهَا , فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إِذْنُهَا , وَإِنْ أَبَتْ فَلاَ جَوَازَ عَلَيْهَا [1] .
فاعتبر - صلى الله عليه وسلم - سكوت اليتيمة موافقة وإذن منها.
ويوافق هذا الحديث أيضًا: ما أخرجه أحمد والدارمي بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا , فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ أَذِنَتْ , وَإِنْ أَبَتْ لَمْ تُكْرَهْ [2] .
فهذه نصوص في محل النزاع , ينبغي أن يرتفع عندها الخلاف.
(1) - حسن: أخرجه أبو داود (2095) في كتاب النكاح , باب: فِي الاِسْتِئْمَارِ. والترمذي (1109) في كتاب النكاح , باب: ما جاء في إكراه اليتيمة على التزويج. والنسائي (3270) في كتاب النكاح , باب: البكر يزوجها أبوها وهي كارهة. وأحمد (7527, 8988) . وحسنه الألباني في الإرواء (1828, 1834) , و صحيح الجامع (2942, 8194) .
(2) - أخرجه الدارمي (2/ 185) رقم (2185) في كتاب النكاح , باب: في اليتيمة تزوج نفسها. وأحمد (19516,19688) , وقال الألباني في صحيح الجامع عند حديث رقم (14) : وهذا سند صحيح على شرطهما وله شواهد مخرجة في الإرواء (1828) .