لكن هذا في الحقيقة مخالف للدليل , وابن حزم مع ظاهريته , لم ينتبه إلى حديث عائشة < الذي ذكرتُه آنفًا , وهو متفق عليه , قالت: قلتُ: يا رسول الله , يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ فِي أَبْضَاعِهِنَّ؟ قال: نعم. قلت: فَإِنَّ البكرَ تُسْتَأْمَرُ فتستحي فتسكت؟
فإذًا: هي ذكرت أن البكر قد تستحي فتسكت عند استئمارها , فقال - صلى الله عليه وسلم: سُكَاتُهَا إِذْنُهَا.
فاعتبر - صلى الله عليه وسلم - أن السكوتَ إذنٌ لِعَارِضِ الحياء , فإن لم تستح ونطقت فينبغي أن يكون هذا إذنًا من باب الأولى والأحرى.
وابن حزم لا يأخذ بقاعدة الأولى.
وحديث عائشة < له رواية أخرى في الصحيحين أنَّها قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: الْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ. قُلْتُ: إِنَّ البكر تستحيي؟ قال: إِذْنُهَا صُمَاتُهَا [1] .
فإذًا: أقام السكوت مقام الموافقة لِعارض الحياء.
وهنا ينبغي أن يُراعى كلام ابن قدامة ~: أن اللسان معتبر في كل موضع يعتبر فيه الإذن إلا في بعض المواضع التي أُقِيمَ فيها الصمت مقام الكلام لِعارض من العوارض.
فإن ضَحكت أو بَكَت , فالضحك أمارة على الرضا , وزيادة في الاستبشار.
قال ابن قدامة: وإن بكت فإن البكاء بمنزلة السكوت.
وقال محمد بن الحسن وأبو يوسف: لا يُعتبر البكاء موافقة؛ لأن البكاء يدل على اعتراضها أو على كراهيتها , وليس البكاء صمتًا حتى يندرجَ تحت الأحاديث.
واحتجَّ ابن قدامة لذلك بروايةٍ أخرجها أبو داود من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - من طريق محمد بن الْعَلاَءِ عن ابن إِدْرِيس أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: فَإِنْ بَكَتْ أَوْ سَكَتَتْ [2] ...
لكن هذه اللفظة شاذة كما بيَّن أبو داود ~ , قال:"وَلَيْسَ"بَكَتْ". بِمَحْفُوظٍ , وَهُوَ وَهَمٌ في الْحَدِيثِ , الْوَهَمُ مِنِ ابْنِ إِدْرِيسَ , أَوْ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلاَءِ".
فهذه اللفظة شاذة لا يُعول عليها.
(1) - أخرجه البخاري (4844) في كتاب النكاح , باب: لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها , و (6547) في كتاب الإكراه , باب: لا يجوز نكاح المكره , و (6570) في كتاب الحِيَل , باب: في النكاح. ومسلم (3540) في كتاب النكاح , باب: اسْتِئْذَانِ الثَّيِّبِ في النِّكَاحِ بِالنُّطْقِ وَالْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ.
(2) - أخرجه أبو داود (2096) في كتاب النكاح , باب: في الاِسْتِئْمَارِ.