الصفحة 29 من 98

لكن طبعًا إن قلنا: يجوز لسائر العصبات , فمعنى هذا أن الأب غير موجود , وقد صحَّ الحديث بالمنع من هذا الأمر.

فقد ثبت عند أحمد والدارقطني من حديث عبد الله بن عمر أنه قال: تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ , وَتَرَكَ ابْنَةً لَهُ مِنْ خُوَيْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْأَوْقَصِ. وَأَوْصَى إِلَى أَخِيهِ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن عمر: وَهُمَا خَالَايَ. قَالَ: فَمَضَيْتُ إِلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ أَخْطُبُ ابْنَةَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ , فَزَوَّجَنِيهَا. وَدَخَلَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى أُمِّهَا فَأَرْغَبَهَا فِي الْمَالِ , فَحَطَّتْ إِلَيْهِ , وَحَطَّتْ الْجَارِيَةُ إِلَى هَوَى أُمِّهَا [1] , فَأَبَيَا حَتَّى ارْتَفَعَ أَمْرُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , فَقَالَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ , ابْنَةُ أَخِي أَوْصَى بِهَا إِلَيَّ فَزَوَّجْتُهَا ابْنَ عَمَّتِهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَلَمْ أُقَصِّرْ بِهَا فِي الصَّلَاحِ وَلَا فِي الْكَفَاءَةِ , وَلَكِنَّهَا امْرَأَةٌ وَإِنَّمَا حَطَّتْ إِلَى هَوَى أُمِّهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: هِيَ يَتِيمَةٌ وَلَا تُنْكَحُ إِلَّا بِإِذْنِهَا. قَالَ ابن عمر: فَانْتُزِعَتْ وَاللَّهِ مِنِّي بَعْدَ أَنْ مَلَكْتُهَا , فَزَوَّجُوهَا الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ [2] .

فالحاصل أنَّ عمها زوجها , وأبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا النكاح.

وهذا الحديث بهذا السياق إسناده حسن , رجاله ثقات رجال مسلم , إلا أنَّ محمد بن إسحاق - والحديث من طريقه - إنما أخرج له مسلم استشهادًا , ولم يُخرِّجْ له احتجاجًا , كما قال الشيخ الألباني ~ رحمة واسعة.

لكن الحديث على كل حال: أخرجه الحاكم , وعنه البيهقي من طريق ابن أبي ذئب عن عمر بن حسين. قال الحاكم: وهو صحيح على شرط الشيخين , ووافقه الذهبي.

لكن كما قال الشيخ الألباني ~: وإنما هو على شرط مسلم فقط؛ لأن عمر بن حسين لم يُخرِّج له البخاري شيئًا. فالحديث ثابت على كل حال.

إذًا: لا يجوز أن يزوجها إلا الأب , وكذلك لأن الأب عنده من الشفقة ما ليس عنده من الأقارب.

القسم الثاني: البكر البالغ (العاقلة الحرة)

هل يعتبر رضاها في صحة النكاح أم لا يُعتبر؟

اختلف العلماء في هذه المسألة على مذهبين:

المذهب الأول: لا يُعتبر رضاها , ويجوز لأبيها أن يُجبرها على النكاح. وهذا المذهب إحدى الروايتين عن أحمد , وبه قال الإمام مالك والشافعي وإسحاق.

وذهب الفريق الآخر إلى أنَّه لا يحل للرجل أن يزوج ابنته البكر البالغ بغير رضاها , فإن زوجها بغير رضاها كان النكاح باطلًا.

وهذا مذهب طائفة من أهل العلم , عامر الشعبي , وسفيان الثوري , والأوزاعي , وإبراهيم النَّخَعِي , وأبي حنيفة , وأبي عبيد , وأبي ثَوْر - من الشافعية - , وابن المنذر , وأهل الظاهر , بل حكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم , وهذا هو المذهب الصحيح.

احتجَّ الفريق الأول بمفهوم المخالفة الذي يُستفاد من الأحاديث السابقة , ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عباس الذي أخرجه الجماعة إلا البخاري: الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا , وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ في نَفْسِهَا , وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا.

وهذا الحديث أخرجه أحمد وابن ماجة والدارقطني وابن الجارود بلفظ: وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا [3] .

وأخرجه الإمام مسلم بزيادة مهمة: وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا في نَفْسِهَا [4] .

قارن بين هذا الحديث وبين حديث أبي هريرة الذي رواه الجماعة أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لاَ تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ.

وهنا قال: وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا.

فإذًا: استئمار البكر معتبر , كما يعتبر استئمار الأيِّم أو الثيب.

لكن أصحاب المذهب الأول قالوا: قسَّم النبي - صلى الله عليه وسلم - النساء إلى قسمين: البكر والأيِّم , فبيَّنَ أن الأيِّم أحق بنفسها من وليها , فدل الحديث بمفهوم المخالفة (دليل الخطاب) على أنَّ البكر أبوها أحق بها منها في النكاح.

(1) - أي: مالت إلى اتباع أمها.

(2) - أخرجه أحمد (6136) . والدارقطني (3/ 230) في كتاب النكاح برقم (37) . والبيهقي (7/ 113) في كتاب النكاح , باب: لا ولاية لوصي في نكاح ... والحاكم (2/ 181) في كتاب النكاح برقم (2703) . وحسنه الألباني في الإرواء (1835) .

(3) - أخرجه ابن ماجة (1870) في كتاب النكاح , باب: استئمار البكر والثيب. والدارقطني (3/ 241) في كتاب النكاح برقم (73) . وأحمد (1888, 2481, 3222, 3343, 3421) وابن الجارود في المنتقى (2/ 270) برقم (691) في كتاب النكاح. وصححه الألباني في الإرواء (1833) , والصحيحة (1216) , وصحيح ابن ماجة (1516) .

(4) - أخرجه مسلم (3543) في كتاب النكاح , باب: اسْتِئْذَانِ الثَّيِّبِ في النِّكَاحِ بِالنُّطْقِ , وَالْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت