فما الجواب إذًا عن حديث ابن عباس؟
قال الشافعي ومَن وافقه: حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا , وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ في نَفْسِهَا , وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا , المراد بالبكر في هذا الحديث: اليتيمة.
فإذًا: أصحاب المذهب الأول احتجوا بمفهوم المخالفة في هذا الحديث , وحملوه في حالة البكر على البكر اليتيم.
وقالوا أيضًا: قوله - صلى الله عليه وسلم: تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا , دلَّ بمفهوم المخالفة على أنَّ ذات الأب تختلف في حكمها عن حكم اليتيمة , وعلى أنَّ أباها يجوز له أن يجبرها على النكاح.
وأجاب الجمهور عن ذلك بأنَّ:
1 -مفهوم المخالفة , وهو ما يُعرف بدليل الخطاب: متنازع في حجيته , والصواب عند التحقيق أنَّ مفهوم المخالفة ليس حجة.
2 -حديث ابن عباس وَرَدَت فيه زيادة عند الإمام مسلم , وهي قوله - صلى الله عليه وسلم: وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا , فلا يُمكن أن يُحمَل الحديث على اليتيمة.
فقال الشافعي ومَن وافقه من الحنابلة كابن قُدامة:"هذه الزيادة تفرَّد بها سفيان بن عيينة , وقال أبو داود: ليست محفوظة".
لكن على قواعد الفقهاء: هذه زيادة من ثقة , ولم تقع مخالفة أو منافية , فينبغي أن تُعتبر , وهذا هو ما قرره الحافظ ابن حجر في الفتح.
قال الشافعي: حتى وإن ثبتت , فاستئذان البكر في هذه الحالة يراد به الاستحباب , فالأمر محمول على استطابة النفس؛ بدليل أنه قد ورد في حديث عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: آمِرُوا النِّسَاءَ في بَنَاتِهِنَّ [1] .
قال: وَأمرُ الأم لا يُعتبر باتفاق , فيكون الحديث محمولًا على استطابة نفسها.
لكن حديث ابن عمر هذا , أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد فيه مجهول , فالحديث لا يثبت.
3 -قد وردت نصوص صريحة صحيحة تدل على خلاف ما ذهب إليه الفريق الأول؛ فقد ثبت عند أحمد وأبي داود وابن ماجة من حديث ابن عباس أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرَتْ أَنَّ
(1) - أخرجه أبو داود (2097) في كتاب النكاح , باب: في الاِسْتِئْمَارِ. وأحمد (4905) . وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (14) .