ولذلك حينما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلًا من الأنصار أن يرجعَ فينظر إليها , لم يأمره بفسخ النكاح.
وكذلك: فإنَّ عقد النكاح يصح بغير تسمية مهرٍ أصلًا , ولها مهر المثل عند الاختلاف , وليست البيوع كذلك؛ فجهالة الثمن في البيع تُبطلُ البيعَ بالإجماع؛ لأنه من أوجه الغرر.
وأيضًا: إن أثبتنا الخيار في العقد , فإنَّ هذا قد يؤدي إلى فسخ العقد بعد ابتذال المرأة نفسها , فقد تُبتذلُ المرأة نفسها , وتخالط الرجل , وقد يُقَبِّلُ .. وكذا وكذا , وبعد ذلك يُطلق.
وحتى إن طلقها بغير أن يفعلَ شيئًا من هذا , فالطلاق نفسه إضرار بالمرأة؛ ولذلك كان الطلاقُ مسقطًا لنصف الصداق , وموجبًا للنصف الآخر في حق المرأة.
قال تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} . [البقرة: 237] .
الموضع الرابع: هل يجوز عقد النكاح على الخيار أم لا يجوز؟
لنا أن نتصورَ ذلك في ثلاثة أحوال:
1 -أن يُعقدَ النكاح على امرأةٍ بإذن وليها من فلان , وَأَوْقَفَ صحة العقد على قَبول فلان لهذا الزواج.
2 -كذلك إن زوَّجَ الوليُّ وليته - وهي من أهل الإذن (أي: بالغ , سواء كانت بكرًا أو ثيبًا) - , فإذا زوجها الولي بغير إذنها من رجلٍ , وأوقَفَ صحة العقد على قَبولها , هل ينعقد هذا العقد أم لا ينعقد؟
3 -أن يُزوِّجَ المرأةَ رجلٌ ليس بوليٍّ لها , من رجل آخر , ويُوقف ذلك على موافقة الولي.
في هذه المسألة:
ذهب الإمام أحمد والشافعي والجمهور إلى أنه لا يصح أن يتراخى أحد طرفي العقد عن الإيجاب أو القَبول.
وذهب أبو حنيفة ~ إلى أنَّ هذا جائز مطلقًا.
وهذا عجيب في الحقيقة! لأنه - مثلًا - لو أن رجلًا زوَّجَ وليَّتَه من رجل آخر بغير موافقة الرجل الآخر , وأوقف هذا العقد على موافقة الرجل المُزوَّج , ووافق بعد عدة سنوات ... !!!
ولذلك قال الإمام مالك ~: إن طالت الفترة , لم يصحَّ العقد , وإن قصرت الفترة , صحَّ العقد.