فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 85

وفي سنن أبي داود: أنه قال صلى الله عليه وسلم: (إن العبد إذا لعن شيئا، صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبوابها دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا، فإذا لم تجد مساغا، رجعت إلى الذي لعن، فإن كان أهلا لذلك، وإلا رجعت إلى قائلها) .

وفي مسند أحمد وصحيح البخاري وسنن النسائي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) .

وفي حديث آخر رواه أحمد والنسائي: (لا تسبوا أمواتنا، فتأذوا أحياءنا) .

وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون ما الغيبة؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره) قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟. قال: (إن كان في أخيك ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه، فقد بهته) قال الترمذي حديث صحيح حسن.

وفي سنن أبي داود والترمذي: أن عائشة ذكرت صفية، فقالت: إنها قصيرة. فقال عليه الصلاة والسلام: (كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) .

وفي سنن أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما عرج بي، مررت على أقوام لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) .

والأحاديث في هذا الباب كثيرة , وهي متناولة للأموات تناولا أوليا، وبعضها نص في الأموات.

تنبيه: ربما قال من يطلع على ما سقناه من الروايات القاضية بإجماع أهل البيت على عدم سب الصحابة: أنه قد وجد في مؤلف لفرد من أفرادهم ما يشعر بالسب.

فنقول له إن كان ممن يعقل الخطاب: هذا الفردي الذي يدعي أنه وجد في مؤلفه ما يشعر بالسب، إن كان عصره متقدما على عصر الأئمة الذين روينا عنهم إجماع أهل البيت، فمن البعيد أن يحكوا الإجماع عن جميعهم، وثم فرد يخالفهم، للقطع بأنهم أخبر من غيرهم بعلم بعضهم بعضا، فدعواهم للإجماع من دون استثناء مشعر بعدم صحة ما وجد من ذلك الفرد، فالمتوجب عليك وعلينا اعتقاد أن ذلك الموجود مدسوس في ذلك المؤلف من بعض أهل الرفض، لأن إثبات كونه من كلام المؤلف له يخالف ما حكاه الأئمة من أهله، المختبرين بمذهبه.

وإن كان ذلك الفرد عصره متأخر عن عصر الأئمة الذين حكوا الإجماع عن أهل البيت، فكلامه مردود لأنه خالف إجماع آبائه، وشذ عن طريقهم، ومشى في غير منهجهم القويم، وسلك في غير صراطهم المستقيم، وما كان بهذه المثابة، فلا ينبغي لأحد أن يعمل به، ولا يحل لمؤمن أن يتمسك به في معارضة إجماع المتقدمين والمتأخرين من العترة المطهرة.

السب من المسائل التي لا يجوز فيها التقليد

ومع هذا فمسألة السب وما يترتب عليها من التكفير والتفسيق من المسائل التي لا يجوز التقليد فيها عند أهل البيت، كما صرح بذلك مطولات كتبهم ومختصراتها، فعلى فرض أنه قد صرح فرد من أفراد العلماء من أهل البيت أو من غيرهم بجواز السب، لا يجوز لأحد أن يقلد في ذلك، لأن التقليد في المسائل الفرعية العملية، لا في المسائل العلمية، ولا فيما يترتب عليها، فمن رام إتباع الشيطان في سب أهل الإيمان، فليقف حتى يجتهد في المسألة، ثم يعمل بما رجح له، ولا يخالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين من أهل البيت وغيرهم، وهو موثق بربقة التقليد، قاصر الباع حقير الإطلاع، لا يعقل الأدلة ولا يعرف الحجج.

خاتمة

ربما يجاوز بعض جهال الشيعة من أهل عصرنا سب الصحابة، ويحكموا على من لا يسب أنه ناصبي!!.

وهذه قضية أشد من قضية السب، لأن ذلك الجاهل حكم على أهل رسول الله أجمع وعلى جميع العلماء من السلف والخلف بالنصب، والناصبي كافر، فيستلزم هذا الحكم تكفير جميع المسلمين، وليس بعد هذا الخذلان ولا أشنع من هذه الخصلة التي تبكي لها عيون الإسلام، ويضحك لها ثغر الكفران! وما درى هذا المخذول أن من كفر مسلما واحدا، صار كافرا، بنصوص السنة المطهرة، فكيف بمن كفر جميع المسلمين؟!.

فيا لله من رجل بلغ به جهله الفظيع إلى الكفر المضاعف، نسأل الله السلامة!!.

النواصب؛ تعريفهم، حكمهم، أماكن وجودهم والأحاديث الواردة فيهم

وإنما قلنا: إن الناصبي كافر، لما يعرف في كتب اللغة وغيرها: أن النصب بغض أمير المؤمنين عليه السلام.

ففي (القاموس) ما لفظه: النواصب والناصبية وأهل النصب: المتدينون ببغضة علي، رضي الله عنه لأنهم نصبوا له، أي: عادوه. اهـ.

فإذا ثبت أن الناصبي من يبغض عليا عليه السلام، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الصريحة في كتب الحديث المعتمدة أن بغضه كرم الله وجهه في الجنة نفاقٌ وكفرٌ: فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه، وابن أبي شيبة، والحميدي، وأحمد، والترمذي والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان، وأبو نعيم في الحلية، وابن أبي عاصم، عن علي عليه السلام أنه قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إليَّ: أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق.

وأخرج نحوه: الترمذي، وعبدالله بن أحمد في (زيادات المسند) عن أم سلمة، والديلمي عن ابن عباس، والخطيب في (تاريخه) عن أنس.

وثبت أن: (من أبغض عليا فقد أبغض الله ورسوله) وبغض الله ورسوله كفر بلا ريب.

فمن ذلك ما رواه الطبراني وابن عساكر عن عمار بن ياسر.

والدارقطني والحاكم في مستدركه والخطيب عن علي كرم الله وجهه والطبراني عن أبي رافع.

وأخرج ابن عساكر عن عمرو وقال: رجال إسناده مشاهير غير أبي القاسم عيسى ابن الأزهر المعروف ببلبل، فإنه غير مشهور.

وأخرجه أيضا ابن النجار عن ابن عباس.

وفي الباب أحاديث كثيرة من طرق عن جماعة من الصحابة.

وفي هذا القدر كفاية، فإنه يثبت أن الناصبي كافر، وأن من قال لرجل: يا ناصبي! فكأنه قال: يا كافر!. ومن كفر مسلما كفر، كما تقدم.

وقد أحسن من قال:

عليٌ يظنون بي بغضه

ما يبلغ الجاهل من نفسه ... وقد أراح الله سبحانه وتعالى من النواصب وهم الخوارج ومن سلك مسلكهم فلم يبق منهم أحد، إلا شرذمة بعمان، وطائفة حقيرة بأطراف الهند، يقال لهم (الإباضية) .

فليحذر المتحفظ من إطلاق مثل هذه اللفظة على أحد من أهل الإسلام غير هؤلاء، فإنه بمجرد ذكر الإطلاق، يخرج عن الإسلام، وهذا ما لا يفعله عاقل بنفسه.

وما يبلغ الأعداء من جاهل

عجيبة: ومن العجائب أنا سمعنا من جهال عصرنا من يطلق اسم الناصبي على من قرأ في كتب الحديث، بل على من قرأ في سائر علوم الاجتهاد! ويطلقونه أيضا على أئمة الحديث! وأهل المذاهب الأربعة!.

وهذه مصيبة مهلكة لدين من تساهل في ذلك، ولا يكون إلا أحد رجلين: إما جاهل لا يدري ما هو النصب؟ ولا ما هو الناصبي؟ أو غير مبال بهلاك دينه، ومن كان بهذه المنزلة، لا ينتفع بمثل هذا النصح الذي أودعناه هذه الرسالة، وليس علينا إلا القيام بعهدة البيان الذي أوجبه الله ورسوله، ليهلك من هلك عن بينة.

اللهم وفقنا إلى مرضاتك، وأرشد الخاص من عبادك والعام، واسلك بنا سبل السلام إلى دار السلام.

انتهى من خط مؤلفه إمام المحققين القاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني رحمه الله ورضي عنه آمين

تم على يد صالح التلبوي العباسي الفقيري الشافعي سنة 1322هـ

تمت مقابلتها نفع الله بها المسلمين آمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت