فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 85

بسم الله الرحمن الرحيم

يرى الكثير من الأدباء والباحثين وأخصائي علم الاجتماع؛ أن الأسطورة دليل لفهم السلوك الإنساني اليومي، وحفظ التوازن والاستقرار في النفوس المضطربة تجاه الأخطار المحدقة بها، وحين تذكر الأسطورة تتبادر إلى الأذهان؛ مفاهيم الخرافة، والأباطيل، والسحر، واللامعقول، والأهم من كل ذلك؛ الماضي، الذي وقع وتحول إلى مجرد ذكرى.

إلا ان الفقرة الأخيرة من هذه الرؤية؛ قد لا تنطبق على الحركة الشعوبية الذي ما تزال الأسطورة حية عندها، وما تزال تساهم في استمرار فكر هذه الحركة التي تزاوجت مع المذهبية الصفوية لتنشأ مزيج من"اللافكر"الجديد المبني على دمج القومية بالمذهبية، لحماية قيمها التي كانت سائدة وأصبحت بالية بعد الفتح الإسلامي المبارك.

لقد اختارت الشعوبية"الأسطورة"كأحد أهم الوسائل لنشر وتثبيت فكرها في أذهان الناس، وقد استطاعت إلى حد بعيد من تحقيق غايتها.

وما المناسبات"الوثنية"التي نشاهد الاحتفاء بها بشكل واسع هذه الأيام ...

كالقفز على النار - في آخر ليلة أربعاء من كل سنة -

وأخرى تجري في مناسبة عاشوراء.

وفي آخر شهر صفر - الابتهاج بذكرى مقتل الخليفة الثاني، مناسبة عمر كشي - وغيرها ...

ما هي إلا دليل واضح على ان الحركة الشعوبية ما تزال تعمل لإبقاء فكرها حي، مقابل حيوية الفكر الإسلامي الذي يتجدد مع الزمان، والذي تخشى الشعوبية ان يؤدي نهوضه وتجدد حركته إلى القضاء على أفكارها، التي ترى فيها موروث ديني - مجوسي - وقومي - آري - مقدس، يجب المحافظة عليه لحماية الهوية الوطنية الإيرانية من الذوبان في كل ما هو عربي وإسلامي.

ومن اجل ربط القومية بالمذهب للحفاظ على الهوية الوطنية؛ فقد أنتجت الحركة الشعوبية واحدة من اخطر الأساطير في سبيل ترويج فكرها، وهي قصة زواج الإمام الحسين بن علي عليهم السلام بأميرة فارسية"من سلالة نقية"، وهي الأميرة"شهربانو"أبنت الملك يزدجرد الثالث، آخر ملوك الساسانيين الذين هد الله ملكهم على يد العرب المسلمين.

ولكي تستطيع تحقيق أهدافها فقد سلكت الحركة الصفوية طريقة الحركة الشعوبية في ترويج فكرها بين الناس تحت ستار المذهبية, ولكي يتحقق لها ذلك فقد أدخلت آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم في صلب عقيدتها، من اجل بناء نهضة"شعوبية/شيعية"، تحول التشيع الوحدوي إلى تشيع تفرقة، ومن خلال هذا التشيع أعطت روحا ودفئا للشعوبية.

ولتحقيق هذا الهدف؛ وضعت خطة عميقة وذكية، تقوم أولا على إظهار النبي صلى الله عليه وسلم والإمام علي بمظهر القوميين المتعنصرين للسلالة والأسرة ومؤمنين بنقاوة الدم والعرق، وتبجيلهم للعنصر الفارسي - ومنه على وجه الأخص الأسرة الساسانية - وذلك من خلال عدد من الروايات والأحاديث اختلقها رواة شعوبيين.

حسب رأي الدكتور علي شريعتي؛ فالرواة الشعوبيين الذين اختلقوا هذه الأسطورة - زواج الحسين من شهربانو - أصبحوا فيما بعد مصدرا ينقل عنه كبار مراجع الشيعة؛ الكافي، الصدوق، المفيد.

وهؤلاء الرواة هم:

1)النهاوندي:

إبراهيم بن إسحاق، أبو إسحاق الأحمري النهاوندي [م 269 هـ] من الشيعة الشعوبيين، وهو شعوبي عامي أكثر منه عالم شيعي، وفي المصادر الشيعية؛ متهم بضعف الحديث، الغلو، والتدليس في المتون وسند الروايات والخلط، وهو من العناصر التي سعت في نشر روايات الشعوبية في الوسط العلمي والعامي الشيعي [1] .

2)عمرو بن شمر:

أبو عبد الله الجعفي، وهو من سواد فيلق الغلو الشيعي، عايش عددا من الأئمة، متهم من قبل أصحاب الأئمة انه ممن يصطنعون الأحاديث ويسطو على روايات الآخرين، لاسيما روايات جابر بن يزيد بن حارث الجعفي.

ومع ذلك فان اسم هذا الرجل بقى يتردد في كثير من اسناد وروايات الشيعة على الرغم من ان جناح الأصوليين - ومنذ البداية - اهتم بنقد وتجريح رواياته، إلا ان جناح الإخباريين عمد إلى توثيقها.

ويعتقد أن سبب اعتماد روايات"عمرو بن شمر"في سلسلة المصادر والأسانيد الأسطورية الشيعية؛ هو كثرة النقل عنه واشتهاره في وسط العوام من الشيعة، حيث كان يجمع الأساطير والأوهام والأكاذيب، ويوضعها في غالب الروايات ويقوم بنشرها [2] .

فجناح المحدثين من الشيعة الذين ليس لهم ميل إلى النقد والتجريح؛ فإنهم قبلوا بروايات"عمرو بن شمر"على علتها، وان الشيخ"الصدوق"الذي يعد إمام المحدثين الشيعة على ما يبدوا انه كان واقعا تحت تأثير كثرة النقل واشتهار روايات الشعوبية، ولهذا كان يخالف النقد والتجريح لأيًا من روايات عمرو بن شمر [3] .

وقد وصف آية الله أبو القاسم الله الخوئي - وهو من كبار مراجع الشيعة وله باع طويل في علم الرجال - وصف"عمرو بن شمر"بأنه شخص مجهول الهوية وضعيف السند [4] .

3)عُبَيد بن كُثَير بن محمد الكوفي:

تمار من أهل الكوفة، توفى سنة 294 هـ، يروي عن الإمام علي بن الحسين السجاد وعن ابنه الإمام محمد الباقر، وكان من واضعي الحديث، ويقول عنه النجاشي؛ أنه كان يصطنع الروايات وكان يجمع ألأكاذيب والأساطير على شكل روايات ويقوم بنشرها بين العوام من شيعة العراق وإيران [5] .

أذن هؤلاء هم رواة أسطورة زواج الإمام الحسين بابنة يزدجرد الثالث، ملك الفرس"شهربانويه".

وأسطورة الزواج هذه تبدأ - حسب ما يرويها صاحب كتاب البصائر"محمد بن حسن الصفار"بسند عن الرواة انفي الذكر -؛ كانت أبنت يزد جرد مظهر ومثال حقيقي"للفرهة الايزدية"- الهيبة الإلهية - وهي حامية وحافظة لعظمة وأبهة قيم الملكية الساسانية.

فلما دخلت المدينة؛ خرجن بنات المدينة صفا لرؤيتها وقد أضاء المسجد من شعاع نور وجهها، وهنا قد تغلب نور"الفرهة الايزدية"على نور"النبوة المحمدية".

المجلسي الذي نقل هذه الرواية في"البحار" [6] ؛ حور في جملة واحدة من الرواية، فقد أبدل كلمة"مسجد"بـ"مجلس"، وذلك مراعاة للعامة.

ثم يسترسل الراوي شارحا عملية خطبتها من قبل الإمام علي في حضور الخليفة عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] لابنه الحسين، ويتم الزواج، وتنجب"شهربانويه"غلام.

ذكر الشعوبيون ان أبو الأسود الدؤلي - ظالم بن عمرو النوشجاني - صاحب الإمام علي بن أبي طالب، انشد فيه البيت التالي:

وان غلاما بين كسرى وهاشم لأكرم من نيطت عليه العمائم!

وهذا الغلام هو الإمام السجاد علي بن الحسين، الذي ذكرت العديد من المصادر الإسلامية ان أمه؛ أم ولد - خلافا لرواية الشعوبية -

أم الإمام السجاد علي بن الحسين كما وردت في المصادر الإسلامية:

قال البلاذري: (أمه أم ولد، تسمى سلافة) [7] .

وكانت أم علي بن الحسين سجستانية تدعى سلافة [8] .

الخوارزمي: (أمه؛ أم ولد، أمه سلافة) [9] .

اليافعي: (أمه أم ولد من أسراء بلاد السند) [10] .

وقال اليعقوبي: (أمه أم ولد من أسراء كابل) [11] .

وقال بن طولون في الائمة ألاثني عشر: (أمه سندية، يقال لها؛ سلافة) [12] .

وقال الاربلي في"كشف الغمة" [13] : (أمه أم ولد، اسمها غزالة) .

وقال احمد أمين في"ضحى الإسلام" [14] : (كان أكثر أهل المدينة يكرهون الإماء حتى نشأ منهم علي بن الحسين) .

وقال سعد بن عبد الله القمي الأشعري: (أم ولد يقال لها سلافة) [15] .

وقال ابن سعد في"الطبقات" [16] : (أم ولد واسمها غزالة) .

هل كان ليزدجرد الثالث بنت اسمها"شهربانويه"؟

حول ما إذا كان فعلا"ليزدجرد"الثالث؛ بنت اسمها"شهربانويه"، أم ان هذه التسمية مختلقة من قبل الشعوبية؟

فان المصادر التاريخية تنفي صحة ذلك.

قال الباحث الإيراني الدكتور سعيد نفيسي في كتابه"تاريخ ايران الاجتماعي" [17] :(ان يزد جرد الثالث لم تكون له أصلا بنت باسم"شهربانو"حتى تأسر في المدائن وتأخذ لعمر لكي تتزوج بالإمام الحسين وتكون أما للإمام السجاد.

كما أن"يزدجرد"في فترة خلافة عمر [رضوان الله عليه] كان عمره خمسة عشر عامًا! فكيف تسنى ان يكون له بنت بعمر الزواج؟!

وقال المسعودي في"مروج الذهب"؛"أن يزدجرد بن شهريار بن كسرى، وهو آخر ملوك الساسانية، كان ملكه إلى ان قتل بمرو من بلاد خراسان، وذلك لسبع سنين ونصف خلت من خلافة عثمان بن عفان [رضي الله عنه] ، وهي سنة إحدى وثلاثين من الهجرة، وقتل يزدجرد وله خمس وثلاثون سنة، وخَلف من الولد بهرام، فيروز، ومن النساء؛ أدرك وشاهين ومردآوند" [18] ) انتهى.

ان هذه القصة بقدر ماهي مختلقة وضعيفة من الناحية العلمية والتاريخية، إلا أنها من الناحية السياسية؛ كانت صالحة لتحقيق أهداف الشعوبية التي سعت إلى حماية هويتها القومية من الانقراض والذوبان في الهوية الإسلامية.

كما ان هذه الأسطورة؛ تكشف لنا عن مدى الاختراق الذي أحدثته الحركة الشعوبية - ووليدتها الحركة الصفوية - في المذهب الشيعي.

وعليه؛ فقد أصبح واجب على المؤمنين بمدرسة أهل البيت التدقيق في الروايات والأحاديث المدسوسة، والتي هي مع الأسف تشكل اليوم جز كبيرا من معتقدات المذهب.

وأخيرا ...

يبقى المتسائل حائرا؛ إذا كان الشعوبيين والصفويين قد حققوا ظالتهم في هذه الأسطورة، فما الذي تحقق لنا نحن حين صدقنا بها؟ وماذا سيتحقق لنا إذا ما بقينا مصدقين بالأساطير الشعوبية والصفوية المماثلة الأخرى؟

بقلم؛ صباح الموسوي

رئيس المكتب السياسي

لحزب النهضة العربي الأحوازي

16/مارس/2006م

[1] النجاشي: ص 14.

[2] النجاشي: ص204.

[3] مستدرك: 3/ 580، الخوئي، معجم الرجال: 13/ 106، ش8922.

[4] المعجم: 13/ 106.

[5] النجاشي: 162 - 163، جامع الرواة: 1/ 527 - 528.

[6] في: ج 49 / ص 9.

[7] الأنساب: ج 3/ص146.

[8] البلاذري، الأنساب: ج 3/ص 102 - 103.

[9] المناقب: ص 143.

[10] مرآة الجنان: ج1/ 210ص.

[11] تاريخ اليعقوبي: ج3/ص 43.

[12] بن طولون: ص 78.

[13] ج2/ص 80.

[14] ج 1/ص 11.

[15] المقلات والفرق: ص 70.

[16] ج 5/ص 156.

[17] ج1/ص13.

[18] مروج الذهب: ج 1/ص 310 - 311.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت