فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 85

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد ...

فقد دهى أمتنا أمرٌ عظيم، وخطبٌ جسيم، لقد نزلت بأمتنا الغُمَّة، واشتدت الكربة، احلولك الظلام، وطغت الآثام، اقشعرت الأرض وأظلمت السماء، ذهبت البركات وقلَّت الخيرات، هزلت الوحوش وتكدرت الحياة، بكى ضوء النهار وظلمة الليل ممّا وقع من أعمال فظيعة، وأفعال خبيثة، شكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من قبح ما حصل وعِظَمِ ما فُعِلْ، فبطن الأرض والله خير من ظهرها وقلل الجبال خير من السهول ومخالطة الوحوش أسلم من مخالطة الناس.

أولًا؛ تعلم أخي المسلم ماذا جرى، وماذا حصل، سر يا رعاك الله واتجه نحو طيبة الطيبة مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفضل البقاع بعد مكة إلى الله ترى فيها والله ما تتفطر القلوب منه كمدًا، وتنزف بسببه صديدًا ودمًا.

أتظن أنها اغتصبت نساء ساكنيها؟ بل هو والله أعظمُ وأشد، أم تحسب أن ظالمًا استحلها فسلب خيراتها وثرواتها؟ بل هو والله أفضع وألد.

إنَّ ما جرى في المدينة منطلق البعوث والسرايا من المصطفى صلى الله عليه وسلم لتحرير العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد؛ هو الشرك بالله، الذي هو مساواة غير الله بالله في ما هو من خصائص الله يقع هذا من قبل أعداء الأمة أحفاد ابن العلقمي، وربائب اليهود، بل وورثتهم وشر البرية؛ الرافضة، مبدلي الشريعة المحمدية ومحرفي كلام الله عن موضعه، الأعداء الألداء لخيرة الأمة من الصحابة أحبة المصطفى صلى الله عليه وسلم ووزرائه بل وأصحاب الحقد الدفين لزوجاته أمهات المؤمنين.

وإنَّ مما يملأ العين دمًا، والقلب شجىً، والحلق غصةً , إعلاناتهم الوقحة وتصريحاتهم النتنة عبر مكبرات الصوت بالشرك الصريح والكفر البواح، يجاهرون بالشرك بالله وهو بغيضٌ إلى الله الذي أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وخلق الخليقة من أجل توحيده وعدم الإشراك به.

ولزوال الدنيا بأسرها أهون على الله من فعله واتخاذ شركاء معه وهو أعظم الظلم، {إنَّ الشرك لظلمٌ عظيم} ، ولعظمه وشدته حرم الله الجنة على من فعله؛ {إنَّه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} ، {إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} .

وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: (أي الذنب أعظم قال أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) .

فوا لله ثم والله، لأن يقتتل البادية والحاضرة أسهل وأهون من أن يشرك مع الله إله آخر في الأرض، قال سبحانه: {والفتنة أشد من القتل} ، ومع هذا كلَّه يدعون عليًا والحسين وفاطمة ويسألونهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات.

أضف إلى ذلك مبارزة الله سبحانه وتعالى بمسبة أوليائه ولعنهم وشتمهم ورميهم بالنقائص، وهم صحابة رسوله صلى الله عليه وسلم ووزراؤه وقادات الأمة ونجومها رضي الله عنهم ورضوا عنه.

وأقبح من هذا وأغلظ مسبة زوجاته أمهات المؤمنين، ورميهم لحبيبته صلى الله عليه وسلم وقرَّة عينه الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سماوات، فيفترون عليها، ويقذفونها بالزنا، فيكذبون الله في خبره، وقد أجمع العلماء على كفر من رماها بعد أن برأها الله.

وإنَّ مما يزيد الغمة، ويوقع النقمة؛ تواجد أعداد كبيرة من قطاعات الأمن الخاصة والمباحث العامة، لا لنهيهم وقمعهم وطردهم وإذلالهم، والدفاع عن دين الله، والذود عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن زوجاته أمهات المؤمنين ... كلا والله وألف كلا؟!

وإنَّما تواجدهم ومرابطتهم لحراستهم لكي يتمكنوا من أداء شعائرهم وقمع من يعكر أجواءهم بحضوره، فضلًا عن أن ينطق ببنت شفه، حيث يودع من أنكر عليهم بلسانه في السجون، وتؤخذ عليهم العهود والمواثيق بأن لا يعاودوا الإنكار.

فأي كفرٍ بواحٍ أعظم من إقرار الشرك وحراسته، والذود عن صاحبه، وقمع من ينكره؛ فحسبنا الله ونعم الوكيل.

قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: (فكيف إذا كان في دار منعة واستدعى بالمشركين ودخل في طاعتهم وأظهر الموافقة على دينهم الباطل وأعانهم عليه بالنصرة والمال ووالاهم وقطع الموالاة بينه وبين المسلمين وصار من جنود القباب والشرك وأهلها بعدما كان من جنود الإخلاص والتوحيد وأهله، فإنَّ هذا لا يشك مسلم أنَّه كافرٌ، من أشدِّ الناس عداوةً لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يستثنى من ذلك إلا المكره، وهو الذي يستولي عليه المشركون فيقولون له؛ اكفر، أو افعل كذا، وإلاَّ فعلنا بك وقتلناك، أو يأخذونه فيعذبونه حتى يوافقهم، فيجوز له الموافقة باللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان) [الدرر السنية: 8/ 245] أهـ.

قلت: فهل بعد الإذن لهم موافقة؟! وهل بعد حراستهم مظاهرة؟! وهل بعد قمع من ينكر عليهم مناصرة؟!

وكيف يهدأ لأبناء العقيدة بال، أو يقرّ لهم قرار؛ وهم يرون أعداء الله قد بلغت بهم الجرأة أن أحضروا مراسلوا قنواتهم لينقلوا صورة تمكينهم من الشرك حية على الهواء مباشرة.

وفي كل لحظةٍ يشكرون"دولة التوحيد"- المزعومة - على ما بذلته لهم ووفرته من حراساتٍ مشددة وحمايةٍ واسعة من أن يأتي من ينغص عليهم بالإنكار والتبيين.

ذهب خيار الأمة وفلذات أكبادها؛ لينصروا دين الله وينفذوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تسأل عن حالهم فالقوات تقمعهم، والمباحث تطاردهم وتصورهم فما استطاعوا أن ينبسوا ببنت شفة، أو ينطقوا بنصف كلمة من الإنكار والتبيين، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

فيا أحفاد صحابة رسول الله؛ أما فيكم من يقتدي بعلي والمغيرة ويستن بخالد وأبي عبيدة؟!

ويا علماء الأمة ويا دعاتها ...

هبوا لنصرة دين الله، وقمع الشرك بالله، ولو ندرت بسبب ذلك رؤوسكم، قولوا كلمة الحق وانطقوا بها، ذودوا عن عقيدتكم، احموا جنابها، صونوها من اعتداء المعتدين، وظلم الظالمين، وشرك المشركين.

قفوا رحمكم الله مع إخوانكم وشدوا عضدهم، وشاركوهم، وانزلوا في الميدان وانصروا دين الملك الديان.

فإن أبيتم إلاَّ القعود وخذلان دينكم وعقيدتكم، فكفوا ألسنتكم أن تلغ في أعراض المجاهدين القائمين لنصرة دين الله الباذلين لحمايته النفس والنفيس.

وإياكم أن تكونوا ممن آتاه الله آياته فكتمها واتبع هواه ونسي ميثاق الله ونقض عهد الله فكان من الغاوين.

فأيُّ خيرٍ يرتجى من دعوةٍ لا تكون لتوحيد الله مبينةً وموضحةً، وعنه مدافعةً وذائدةً، ولأهله مناصرةً، وعن أعراضهم مناضلةً، وعن الشرك بالله محذرةً ومنذرةً وللقائمين به قامعةً وداحرةً، ولشبه أهله مفندةً وداحضة.

ويا شباب الأمة ...

أليس منكم رجل رشيد، ألا يسؤوكم ويحزنكم ويقلقكم مرأى إخوان القردة والخنازير من الرافضة يستبيحون بيضتكم ويدنسون مقدساتكم، وذلك بمجاهرتهم بتكذيب ربكم في كتابه ورسولكم في سنته وسلف أئمتكم بالافتراء عليهم، فيشركون بربكم ويلعنون ويكفرون خياركم، ونجوم سمائكم، وصحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم.

وإنَّ مما يزيد الأمر شناعةً ووقاحةً الاعتداء على حرمة نبيكم صلى الله عليه وسلم وذلك برمي زوجاته أمهاتكم وهتك أعراضهن وإهدار حقوقهن.

هُبُّوا رحمكم الله وابذلوا وسعكم وطاقتكم في تبيين التوحيد لهم وتحذيرهم من الشرك بالله، فإن استجابوا فابشروا بقوله صلى الله عليه وسلم: (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حمر النعم) [متفق عليه من حديث ابن عباس] .

فإن أبوا وعاندوا؛ فاقمعوهم، واقهروهم، واطردوهم جعلكم الله خير خلفٍ لخير سلفٍ، وإن أصابكم أذىً فإنَّما هو ابتلاء من الله ليختبر به صبركم وثباتكم، {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم} ، وقوله: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} .

وقال صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) [رواه الترمذي] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد) [رواه الإمام أحمد] .

نسأل الله أن يرفع الغمة، ويدفع النقمة، ونسأله سبحانه أن يعز الإسلام والمسلمين وأن يذل الشرك والمشركين، وأن ينصر عباده الموحدين، اللهم انصر الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اللهم انصر من نصرهم واقمع واخذل من خذلهم، اللهم جمد الدم في عروقه، واجعل الموت أحلى أمانيه، اللهم احفظ المجاهدين في سبيلك بحفظك واحرسهم بعينك واكلأهم برعايتك يا كريم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

بقلم؛ عبد الرحمن بن محمد العريني

مجلة صوت الجهاد، العدد 12

15/محرم/1425هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت