قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وقد اتفق المسلمون على أنه صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق جاهًا عند الله، لا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه، ولا شفاعة أعظم من شفاعته، لكن دعاء الأنبياء وشفاعتهم ليس بمنزلة الإيمان بهم وطاعتهم، فإن الإيمان بهم وطاعتهم توجب سعادة الآخرة والنجاة من العذاب مطلقًا وعامًا، فكل من مات مؤمنًا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، مطيعًا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ كان من أهل السعادة قطعًا، ومن مات كافرًا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كان من أهل النار قطعًا] .
أراد الشيخ بذكر هذه الحقيقة تقرير أمر اتهم أهلُ الأهواء أهل السنة بأنهم ينكرونه أو قدحوا فيهم من هذا الجانب؛ ذلك أن أهل السنة والجماعة لما أنكروا على أهل البدع التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه من دون الله عز وجل في قبره وهو ميت، وأنكروا عليهم أنواعًا من التوسلات البدعية، وما زعموا أن له صلى الله عليه وسلم من الخصائص في الدنيا والآخرة ما لا يجوز إلا لله عز وجل، وحينما زعموا ذلك ظنوا أن من منع هذا فقد انتقص الرسول صلى الله عليه وسلم، فكأن الشيخ أراد أن يبين أن المسلمين اتفقوا على أنه صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق جاهًا عند الله، وأن هذا الجاه إنما هو منَّة من الله عز وجل وفضل، وأن هذا الجاه الذي للنبي صلى الله عليه وسلم مشروط بشروطه وبضوابطه التي ذكرها الله عز وجل، وأن شفاعته راجعة إلى إذن الله وإلى انطباق الشروط حتى يأذن الله بها، وأنه لا يعني قولنا بأنه لا يجوز تقديس النبي صلى الله عليه وسلم أو التوسل به انتقاصه أبدًا، بل يعني ذلك تكريمه صلى الله عليه وسلم من أن يحدث باسمه أو في دينه ما لا يجوز عند الله عز وجل، فإنما ذلك لحماية جنابه ولحماية حقه صلى الله عليه وسلم، بعكس ما يظن أهل الأهواء.
إذًا: اتفق المسلمون على أنه صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق جاهًا عند الله، وأهل السنة هم أول من قرر ذلك، وأنه لا جاه لمخلوق عند الله أعظم من جاهه، والشفاعة العظمى دليل ذلك، بل أدلة ذلك متواترة، فهو أفضل الخلق على الإطلاق صلى الله عليه وسلم؛ أفضلهم ذاتًا، وأفضلهم جاهًا، وأفضلهم اعتبارًا، وأفضلهم قدرًا ومنزلة، وأقربهم إلى الله عز وجل، لكن لا يعني ذلك أن تكون له خصائص لا تجوز إلا الله، أو أن يتوسل به التوسل البدعي؛ لأن ذلك من انتقاص قدره لا من تعظيمه.