وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في روايات عدة صحيحة كيفية قيامه بالليل، فلما أرشد قال: (صلاة الليل مثنى مثنى) ، فيتحرر من هذا ما يلي: أن يصلي الرجل ركعتين ركعتين، فإذا خشي الصبح وأراد أن يوتر أوتر بواحدة توتر له ما قد سلف، فهذه صورة من صور قيام الليل.
الصورة الثانية: أن يوتر الإنسان بتسع، ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي ثمان ركعات متتابعات لا يجلس في واحدة منهن إلا في الثامنة، فيقول التشهد ويثني على الله ثم يقوم، فإذا قام قبل أن يسلم قام إلى الركعة التاسعة، فيصلي الركعة التاسعة ثم يجلس، فيتشهد ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يثني على ربه كثيرًا ويدعو، ثم يسلم سلامًا يُسمع أهله، هذه صورة.
الصورة الثالثة: نفس ما صنعه في الثمان والتسع يصنعه في الست والسبع، بمعنى أنه يصلي ست ركعات متتابعة ثم يجلس في السادسة، ثم يقوم قبل أن يسلم فيأتي بالسابعة، ثم يجلس فيسلم.
الحالة الرابعة: أن يفعل ذلك أربع وخمس ركعات بنفس الطريقة الأولى، وقد كان أولًا يصلي الثمان والتسع، فلما ثقل وحمل اللحم كما تقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها كان يصلي ست ويوتر بالسابعة، ثم نقل عنه نقلًا صحيحًا أنه كان يصلي ركعتين وهو جالس بعد الوتر، وهذه سنة اختلف الناس في فهمها أو في قبولها، والأظهر والعلم عند الله أنها سنة ثابتة صحيحة كما عند مسلم في الصحيح فلا يمكن دفعها، وهذه السنة لا تعارض قوله صلى الله عليه وسلم: (اجعلوا آخر صلاتكم وترًا) ؛ لأن الذي قال: (اجعلوا آخر صلاتكم وترًا) هو الذي صنع هاتين الركعتين، وقد جاء بسند لا بأس به: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعة الأولى بالزلزلة: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة:1] ، ويقرأ في الركعة الثانية: بـ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون:1] ) ، فهذا حال صلاته وهو جالس صلاة ركعتين بعد وتره صلوات الله وسلامه عليه.
ونقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ بسبح والكافرون وقل هو الله أحد عند ختم صلاته، يعني: عندما يصلي مثنى مثنى يأتي بركعتين في الأخير يقرأ في الأولى بسبح وفي الثانية بسورة قل يا أيها الكافرون، ثم يأتي بركعة بواحدة منفصلة يقرأ فيها بقل هو الله أحد.
وعلم النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي أن يقول في قنوته في وتره: (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، واصرف عني ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك) ، إلى هنا تقريبًا انتهى ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم الحسن أن يقوله في قنوته، والإطالة التي يصنعها الأئمة الآن لا بأس بها إذا كانت إطالة قليلة، لكنه لا ينبغي أن تكون الإطالة زائدة عن الحد، أن أو تورث في الناس السآمة والملل، أو أن تكون دعاء مكررًا أو ما أشبه ذلك، فقد كان صلى الله عليه وسلم يتوخى جوامع الكلم في دعائه وفي حديثه للناس.
فهذا بعض ما نقل إلينا من قيام الليل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت عائشة تقول: (يصلي أربعًا لا تسل عن حسنهن وطولهن) ، فقولها: أربعًا فيه إجمال، فسره قوله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى مثنى) ، فلعل أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها تقصد أنه كان يصلي ركعتين ثم يتبعها بركعتين، ثم يستريح، وهذا معنى قولها: (صلى أربعًا لا تسل عن حسنهن وطولهن) ، وذات مرة قام صلى الله عليه وسلم يصلي، فقرأ بالبقرة، ثم قرأ بالنساء، ثم قرأ بآل عمران، وهذا فيه دلالة ظاهرة واضحة على أنه صلى الله عليه وسلم كان يطيل القيام جدًا، والناس مأمورون جملة بقيام الليل، وكل بحسب طاقته وبدنه وصحته، لكن من المهم جدًا أن يكون لك أيها المؤمن وأنت تكون لك أيتها المؤمنة حظ من قيام الليل بين يدي ربك جل وعلا.
والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر الركوع والسجود فقال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب) ، قال في أول الحديث: (أما وإني نهيت أن أقرأ القرآن ساجدًا أو راكعًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه الدعاء؛ فقمن أن يستجاب لكم) ، ولا يوجد حالة للعبد هو أقرب فيها إلى الله من حال السجود، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ولهذا قدم الله السجود على القيام في كتابه، قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا} [الزمر:9] ، وجاء في الخبر الصحيح عن عصاة بني آدم من المؤمنين عندما يدخلون النار، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرم على النار أن تأكل أعضاء السجود من بني آدم) ، فعصاة المؤمنين من بني آدم وهم من كتب الله عليهم النار -نسأل الله لنا ولكم العافية- تحرق النار فيهم كل شيء إلا أعضاء السجود، وهذا ينبيك عن عظمة السجود لرب العالمين جل جلاله.