وبهذا نعرف بطلان من اعتمد على مصدر آخر غير القرآن والسنة في تلقي العقائد عمومًا، وفي باب الأسماء والصفات خصوصًا، وأعني بذلك منهج أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة والماتريدية الذين جعلوا العقل مصدر تلقي العقيدة عمومًا والأسماء والصفات بشكل خاص؛ فعظموا العقل تعظيمًا كبيرًا وجعلوه حاكمًا على النصوص الشرعية.
وإذا اختلف العقل عندهم مع النقل فإنهم يقدمون دلالة العقل، وأما النقل -سواء كان القرآن أو السنة- فإنهم يؤولونه، ولا شك أن هذا سوء أدب وسوء تعامل مع القرآن والسنة.
علمًا أنه لا يمكن أبدًا أن يكون هناك تعارض بين العقل والنقل؛ لأن العقل خلقه الله سبحانه وتعالى والنقل أنزله وجاء به الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن يكون هناك خلاف وتباين بين ما خلق الله عز وجل وما أمر به: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14] .
ومشكلة التعارض بين العقل والنقل هي مشكلة قديمة وحديثة في نفس الوقت، فقد وجدت عند الفلاسفة الذين لم يتدينوا بدين سماوي، يعني: ليسوا من اليهود ولا من النصارى كـ أرسطو وأفلاطون، فهؤلاء لم يكن لهم وسيلة للوصول إلى الغيبيات سوى العقل، ولهذا اشتغلوا بتقرير العقائد وتقرير ما يتعلق بما يسمونه: الميتافيزيقيا -وهي الغيبيات- اعتمادًا على العقل.
فلما جاءت الأديان جاءت بما يوافق العقل، وزادت على ذلك من أمور الغيب التي لا يعلمها العقل لوحده، ثم جاء الإسلام جاء بأصدق عقيدة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته.
فلما ترجمت كتب هؤلاء الفلاسفة إلى اللغة العربية وتأثر بها أقوام ليسوا من أهل العلم -يعني: لم يدرسوا الحديث ولم يدرسوا السنة ولم يتعلموا العلم الشرعي أصلًا وإنما كانوا من عموم المسلمين- جاءوا إلى المحكمات من النصوص الشرعية وبدءوا يؤولونها حتى توافق هذه المقررات العقلية الموجودة لديهم.
ثم ألفوا الكتب في ذلك وانتشروا وصار لهم ظهور، ورد عليهم أئمة السنة، ومع طول الزمان أصبحوا فرقًا لهم كتب ومبادئ وعقائد وأفكار تختلف غلوًا وبعدًا عن السنة من فرقة إلى فرقة ومن رأي إلى رأي، لكن كثيرًا منهم في الجملة من عموم المسلمين ووقعوا في بدع، وهذا يدل على ضريبة تكلم الإنسان في دين الله عز وجل بغير علم: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء:36] .