والقرآن كما قلت: هو كلام الله عز وجل غير مخلوق، والسلف ينصون على هذا؛ لأن المعتزلة قالت: بأن القرآن مخلوق من الخلق، ويقولون: إن القرآن ليس صفة من صفات الله، بل هو خلق من خلقه، ويقولون: إن الله عز وجل خلق الكلام في الهواء فأخذه جبريل وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالقرآن مخلوق.
ولا شك أن هذا باطل، ويدل على بطلان هذا أدلة كثيرة، منها: قول الله عز وجل: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:54] ، ففرق بين الخلق والأمر، ولا شك أن القرآن من أمر الله وليس من خلقه، وهذا ما استدل به الإمام أحمد ومن قبله سفيان بن عيينة الهلالي رحمهما الله، فاستدلوا على أن القرآن ليس مخلوقًا بالتفريق بين الخلق والأمر واعتبار الأمر غير الخلق، فالأمر صفة من صفات الله عز وجل كما أن الخلق صفة من صفاته، لكن لا يصح أن يقال في صفة: إنها مخلوقة.
الدليل الثاني: قول الله عز وجل: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن:1 - 4] ، والقرآن من البيان، ولهذا قال الإمام أحمد: القرآن من علم الله تعالى، واستدل على أنه من علم الله عز وجل بقول الله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} [آل عمران:61] ، والذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم هو القرآن، فاعتبر القرآن من علم الله عز وجل، ومن قال: إن علم الله عز وجل مخلوق فلا شك في كفره؛ فإن علم الله عز وجل صفة من صفاته، وليس في صفات الله مخلوق؛ لأنه لو كان علم الله مخلوق لاقتضى هذا أن يكون الله سبحانه وتعالى مخلوق، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، ولهذا يجب الحذر من هذه المقالة البدعية الضالة وهي: القول بأن القرآن مخلوق.
ومما يدل على أن القرآن ليس مخلوقًاَ وإنما هو صفة من صفاته: أنك تحلف بأسماء الله فتقول: وعزة الله، وتقول: والله العظيم، ونحن عرفنا هذه الأسماء من القرآن، فلو كان القرآن مخلوقًا لاستلزم أن تكون هذه الأسماء مخلوقة، ولو كانت هذه الأسماء مخلوقة لما جاز الحلف بها؛ لأن الحلف بالمخلوق شرك، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) ، وهذا دليل صريح على أن القرآن ليس مخلوقًا، بل هو من كلام الله عز وجل الذي هو صفة من صفاته سبحانه وتعالى؛ ولهذا ربط السلف رضوان الله عليهم بين القول بخلق القرآن والقول: بخلق الأسماء، والتزم المعتزلة بأن الأسماء مخلوقة بناء على أنهم يقولون في القرآن بأنه مخلوق، وقد صرح السلف الصالح بأن من قال: أسماء الله مخلوقة فهو كافر.
ومما يدل على أن القرآن من كلام الله وليس مخلوقًا: كل الأحاديث الواردة في الاستعاذة بكلمات الله عز وجل، منها حديث خولة بنت حكيم: (من نزل منزلًا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك) ، وكلمات الله كثيرة ومنها القرآن، فلو كانت كلمات الله مخلوقة كما قالت المعتزلة لما جازت الاستعاذة بها؛ لأن الاستعاذة تكون بالله ولا تكون بالمخلوق، والاستعاذة بالمخلوق شرك كما هو معلوم.
وكذلك جاء التعبير بالسماع، فالقرآن يسمع، ولو لم يكن كلامًا بصوت لما جاز التعبير بلفظ السماع، فالله عز وجل يقول: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ} [التوبة:6] ، وهذا يدل على أن السماع يكون لما كان بصوت، فكلام الله مسموع مع أنه غير مخلوق، فقد سمعه موسى عليه السلام، وسمعه محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، ويسمعه يوم القيامة أهل الجنة عندما يخاطبهم الله سبحانه وتعالى.
ويقول عز وجل: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف:204] .
وأيضًا فالقرآن مقروء، فهو يقرأ كما قال الله عز وجل: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل:20] ، وقال: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل:98] ، إذًا كل هذا يدل على أن القرآن كلام الله عز وجل وهو صفة من صفات الله عز وجل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
وقولنا: (منه بدأ) يعني: أن الكلام من الله بدأ، فهو المتكلم الأول به، قال العلماء: إن المقصود بإليه يعود أنه قبل القيامة يأخذ الله عز وجل هذا القرآن من المصاحف ومن صدور الرجال، حتى لا يكاد أحد يستطيع أن يأتي بشيء منه، فيكون في آخر الزمان شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة.