وحدّثني القاضي المفضل بن أبي الحجاج الحارث بمصر قال: حدّثني أحمد بن يحيى بن الورد باليمن لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة سنة 613 وكان يلي حصن منيف ذبحان من أعمال الدملوة على جبل يسمى قوّر شق يقال له حود قور ليس غوره ببعيد طوله مقدار خمسة أرماح وعرضه قليل وقد بنيت فيه دكة فمن أراد أن يتعلم شيء من السحر عمد إلى ماعز أسود وليس عليه شعرة بيضاء وذبحه وسلخه وقسمه سبعة أجزاء ينزلها إلى الغار ثم يأخذ الكرش فيشقها ويطلي بما فيها ويلبس جلد الماعز مقلوبا ويدخل الغار ليلا ومن شرطه أن لا يكون له أب ولا أم حيّين فإذا دخل
الغار لم ير أحدا فينام فإذا أصبح ووجد بدنه نقيا مما كان عليه مغسولا دلّ على القبول، ويضمر عند دخوله مهما أراد وإن أصبح بحاله دلّ على أنه لم يقبل وإذا خرج من الغار بعد القبول لم يحدّث أحدا من الناس ثلاثة أيام بل يبقى صامتا ساكتا تلك المدة ثم يصير ساحرا، قال وحدّثني أنه إستدعى رجلا من المعافر من أهل وادي أديم يعرف بسليمان بن يحيى الأحدوقي وله شهرة في السحر وإستحلفه على أن يصدقه عن حديث السحر فحلف له يمينا مغلظة أنهم لا يقدرون على نقل الماء من بير الى بير ولا على نقل اللبن من ضرع إلى ضرع ولا على نقل صورة الإنسان الى غيرها بل يقدرون على تفريق السحاب وعلى المحبة وتأليف القلوب وعلى البغضاء وعلى إيلام أعضاء الناس مثل الصداع والرمد وإيجاع القلب.
انتهى كلام ياقوت.
قلت: وممن يسكن ناحية الدملوة قديما بنو مسبّح منهم الفقيه أبو بكر بن محمد بن أسعد بن مسبح بضم الميم وفتح السين المهملة وكسر الموحدة المشدّدة وآخره حاء مهملة ترجمه الشرجي قال: وبنو مسبح بيت علم وصلاح من قديم يسكنون بناحية الدملوة بموضع يعرف بالأودية وتوفي الفقيه أبو بكر بعد السبعماية تقريبا. انتهى كلام الشرجي.
وفي ترجمة أبي الدر جوهر بن عبد الله المعظمي مولى محمد بن سبأ بن أبي السعود اليامي أن سيده أوصاه بأولاده فنقلهم الى الدملوة فلما قدم طغتكين بن أيوب في سنة 584وعلم جوهر أن لا طاقة له بطغتكين باع عليه الحصن وإشترط أن لا ينزل من الحصن ولا يطلع له نائب الحصن حتى يكون عيال سيده خلف البحر من ناحية بر العجم وإشترط أن يركبوا من أي ساحل من البحر أرادوا فأجابه طغتكين الى ما سأل لما علم من صعوبة الحصن وأنه لا يؤخذ قهرا.
فلما توثق جوهر وقبض المال الذي إتفقا عليه جهز أولاد سيده من البنين والبنات الى ساحل المخا وكان قد أرسل من هيأ لهم سفنا هنالك فلما وصل الساحل ركب مواليه وركب معهم وسار الى بر العجم وترك نائبا له في الحصن يجهز بقية أموالهم وما يحتاجون اليه وكتب له عدة أوراق في كل
واحدة منها علامة بخطه فكان النائب إذا إحتاج الى كتاب إلى طغتكين أو الى بعض أمرائه كتب إليهم في تلك الأوراق التي فيها علامة جوهر فلا يشكون أنه واقف في الحصن، وكان طغتكين قد أضمر له إذا نزل لزمه واسترجع ما أعطاه من المال فلما فرغ ما في الحصن من ناطق وصامت نزل النائب، وقد صار جوهر وما معه خلف البحر، فسئل النائب عن جوهر، فقال: إنه أول من نزل فعجب طغتكين منه وقال: ينبغي استخلافه على الحصن يقل وجود مثله في عزمه وحزمه ودينه انتهى ملخصا من تاريخ عدن لابن مخرمة.