وفي قوله فتح سنة ثلاث أو أربع عشرة نظر فقد حكى الأهدل في نثر الدر المكنون ما لفظه: وفد خولان على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة عشر في شعبان وهم عشرة من خولان فقالوا: يا رسول الله نحن على من ورائنا من قومنا ونحن مؤمنون بالله عزّ وجلّ مصدقون برسوله قد ضربنا إليك أباط الإبل وركبنا حزون الأرض وسهولها والمنة لله ولرسوله علينا وقدمنا زائرين لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وأما ما ذكرتم من مسيركم إليّ فإن لكم بكل خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة، وأما قولكم زائرين لك فان من زارني بالمدينة كان في جواري يوم القيامة، ثم سألهم عن صنم كان لخولان اسمه عم أنس كانوا يعبدونه فقالوا: قد أبدلنا الله ما جئت به، وقد بقيت منّا بقايا شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به ولو قدمنا عليه هدمناه إن شاء الله تعالى، فقد كنّا منه في غرور وفتنة، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وما أعظم ما رأيتم من فتنة قالوا: لقد أصابتنا سنة مسنتة حتى أكلنا الرّمة فجمعنا ما
قدرنا الله عليه وإبتعنا مائة ثور ونحرناها لذلك الصنم قربانا في غداة واحدة وتركناها فأكلتها السباع ونحن أحوج إليها من السباع فجاءنا الغيث من ساعتنا ولقد رأينا العشب يواري الرجل ويقول قائلنا: أنعم علينا عم أنس.
وذكروا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما كانوا يقيمون لهذا الصنم من أموالهم وأنعامهم وحرثهم فقالوا: كنا نزرع ونجعل له وسطه فنسميه له ونسمي زرعا آخر حجرا أي ناحية لله، فاذا مالت الريح بالذي سميناه له أي لله جعلناه لعم أنس ولم نجعله لله، فذكر لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أن الله قد أنزل عليه في ذلك قوله تعالى:
{وَجَعَلُوا لِلََّهِ مِمََّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعََامِ} الآية.
وقالوا: كنّا نتحاكم إليه فيتكلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تلك الشياطين تكلمكم، ثم سألوه عن الفرائض الدينية فأخبرهم وأمرهم بالوفاء بالعهد وحسن الجوار لمن جاورهم وأن لا يظلموا أحدا. ثم ودعوه بعد أيام وأجازهم ورجعوا الى قومهم وهدموا صنمهم عمّ أنس. انتهى ما نقله الأهدل بإختصار.
وقال في نثر الدر المكنون أيضا فيما جاء في أبي مسلم عبد الله بن ذؤيب الخولاني قيل: إنه أول من أسلم من أهل اليمن وسمّاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله كما في الإصابة وغيرها. روى ابن عساكر من طريق إسماعيل بن عباس عن شرحبيل بن مسلم الخولاني وابن وهب عن ابن لهيعة والحافظ أبي طاهر السلفي عن شرحبيل بن مسلم الخولاني أن الأسود العنسي الكذّاب لما ادّعى النبوة باليمن بعث الى أبي مسلم الخولاني، فلما جاءه قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله، قال: نعم، فزدد ذلك عليه فأمر بنار عظيمة فأججت فألقى فيها أبو مسلم فلم تضره فقيل للأسود أنفه عنك وإلّا أفسد عليك من إتبعك فأمره بالرحيل فأتى أبو مسلم المدينة وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإستخلف أبو بكر رضي الله عنه، فأناخ أبو مسلم راحلته بباب المسجد فقام يصلي الى سارية فبصر به عمر بن الخطاب رضي الله
عنه، فقام إليه فقال: ممن الرجل؟ فقال: من أهل اليمن، قال: فلعلك الذي حرقه الكذّاب بالنار، قال: ذلك عبد الله بن ثوب، قال: نشدتك الله أنت هو؟ قال: اللهمّ نعم فاعتنقه، ثم بكى ثم ذهب به حتى أجلسه فيما بينه وبين أبي بكر، فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم صلى الله عليه وسلم.