فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 400

له مواقف مشهورة مع الإمام يحيى ومع ابنه الإمام أحمد اتسمت بالصراحة والجرأة في قول الحق لأنه كان لا يخشى في إبداء رأيه لومة لائم مع أن أسهل تلك المواقف كانت كفيلة بزجه في أعماق السجون على أعدل أحكام الإمام إلّا أنه كان يغتفر له صراحته ونقده لمحبته له وإخلاصه إخلاصا لا شك فيه ولا ارتياب إلى جانب أنه كان لا يصدر منه النقد علنا أمام الناس، ولا يفاجىء الإمام به بادىء ذي بدء وإنما يتحين الفرص المناسبة فيجعل نقده ضمن رده على سؤال الإمام أو من خلال محاورة أو حديث أو مذاكرة بينهما فمن ذلك أن الإمام يحيى شكا عليه كثرة الناس الذين امتلئت بهم العاصمة صنعاء ومنتزهاتها سنة 1362هـ (1943م) وهي السنة التي حدثت فيها مجاعة في بعض مناطق اليمن كالشرفين من بلاد حجّة وبلاد إبّ وتعز فرحل القادرون منهم على المشي إلى صنعاء فرارا من الموت الذي عصف بالآلاف جوعا فأجاب عليه القاضي محمد الحجري بقصة النقيب منصور بن سعدان من قبائل دهمة، وكان قد ذهب هو وولده ضمن قوات الإمام يحيى التي أرسلها إلى يريم بقيادة السيدين عبد الله بن إبراهيم ومحمد بن يوسف الكبسي سنة 1329هـ (1911م) لمد نفوذ الإمام إلى تلك المناطق التي كانت خاضعة للحكم العثماني فرحب سكان مدينة يريم بجيش الإمام، واستقبلوه استقبال الفاتحين ولكنه رفض أن يكون ضيفا مرغوبا فيه وأبى إلّا أن يقتحم بيوت المدينة الآمنة عنوة فقتل من قتل منها رجالا ونساء وأطفالا، واستولى على ما في تلك البيوت من أثاث ورياش ومال وطعام، وكان بيت التاجر محمد

علوان الشاوش من نصيب النقيب منصور بن سعدان المذكور فقد دخله وفر أهله منه وجلس النقيب في البيت فجاء في اليوم الثاني للحادثة أحد أبناء صاحب البيت يبحث عما يمكن الحصول عليه من الطعام من بيتهم مما لم تقع عليه يد الغاصب فوجد النقيب منصور وولده وجماعته يربطون ويحزمون ما نهبوه فقال لهم: أعطونا شيئا من مالنا نقيم به حياتنا، فقال النقيب منصور لابنه: ادّله ادّله يا ولدي ماشي عند الله يضيع! أي إعطه يا ولدي حسنة فلن يضيع شيء من المعروف عند الله، كما لو كان يتصدق من ماله ففهم الإمام يحيى ما قصد به الحجري من ضرب هذا المثل، وأن الإمام قد استولى على أموال المسلمين زكاة أموالهم ولم يصرفها في مصارفها الشرعية وأن عليه أن يصرفها لهم ويحتسبها كأنها صدقة منه لهم، وليست حقا واجبا لهم عليه، لينقذ حياة آلاف الناس من الجوع، وحينئذ لن تكون هناك مشكلة لأن هؤلاء اللاجئين سيعودون إلى بيوتهم.

وحينما كان الإمام أحمد رئيسا للمجلس النيابي في صنعاء قبل أن يكون إماما دخل عليه القاضي الحجري إلى مجلسه فلم يسلم عليه كما يفعل الناس فقال له: سلّم يا حجري فأجاب عليه: إنك مشغول، والمشغول لا يشغل، فقال: إن المصافحة تسقط الذنوب، فرد عليه فورا: إن باب مجلسك مزدحم بذوي الحاجات من الناس على اختلاف طبقاتهم وكلهم ينتظرون السماح لهم بالمثول بين يديك للسلام عليك ولقضاء حوائجهم، فاخرج إليهم وصافحهم واحدا واحدا لتتساقط ذنوبك كلها.

ولما وصل الحسن بن الإمام يحيى أمير لواء أب إلى صنعاء ذهب إليه القاضي حسين بن أحمد العنسي يراجعه في إطلاق أخيه عبد الكريم العنسي من السجن، وكان القاضي محمد الحجري موجودا عند الحسن فأخذ الحسن يندد بما قام به عبد الكريم من الأعمال التي اعتبرها الحسن سيئات ثم قال: إنه كان عازما على الهرب إلى عدن للالتحاق بالأحرار المناوئين للإمام يحيى وأولاده فتدخل الحجري في الحديث ليقطع على الحسن شططه فروى له قصة رجل من يريم اسمه محمد المصقري وكان أعورا ذهب ذات صباح إلى منزل حاكم يريم السيد عبد الوهاب بن أحمد الوريث فقرع الباب ففتح الحاكم النافذة فإذا الذي يطرق الباب محمد المصقري فقال له: محمد لو شرّقت شويّه أي لو تأخرت قليلا في المجيء مشيرا بذلك إلى أن الناس يتشاءمون من رؤية الأعور عند الصباح، فأجاب عليه المصقري بقوله: الله يجبرك بسيدي محمد لو ما نجّزت قضيتي يشير بذلك إلى أن محمد ابن الحاكم هو نفسه أعور وهو ملازم لوالده صباح مساء فلماذا لا يتشاءم منه؟ فما كان من الحاكم إلّا أن

سكت وصرف الفكرة واستقبل المذكور، وقد أراد الحجري بهذا المثل أن يذكر الحسن بأن أخاه سيف الحق إبراهيم ابن الإمام قد هرب من صنعاء والتحق بالأحرار وفعل أمورا كبيرة فلماذا يحاسب العنسي على أمور حقيرة لم تبلغ مدى ما فعله ابن الإمام نفسه ضد والده واخوانه؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت