فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 656

وسمعت أبا محمد الفرغانيّ الحنيفي يقول: ما خلوت بفكري في أمري وملازمتي هذا الرجل يعني البصريّ إلا ظننت أن الله تعالى يرسل عليّ صاعقة أو يجعلني آية وعبرة باقية.

وأما ابن أبي كانون [1] فإني قلت له يوما: ما لي أراك واجما من غير عارض، وطويل السّكوت من غير عيّ، وكثير الفكر من غير وسواس، وشديد الحزن من غير إفلاس؟ ليس لك أنس بالجماعة، ولا تفكّه بالمحادثة، ولا استمتاع بالمجالسة، بعد ما عهدتك في حدثان مقدمك وأنت تتّقد كالنّار، وتزخر كالبحر، وتأرن [2] كالمهر، وتذكو كالعنبر.

فقال: ومن أولى بالبال الكاسف والغمّ الطويل والأرق الدّائم منّي؟ فارقت وطني وأهلي وإخواني ومعارفي وجميع ما كنت آلفه وأحيا به، وأشتمّ روح العيش منه، وتجرّعت مرارة بعدي عنهم، وصبرت نفسي على ما نالهم بخروجي من بينهم وسلوتي دونهم، وما نزل بي بعدهم من جفاء الغربة ووحشة الوحدة، وشظف العيش بالقلّة كلّ ذلك طمعا فيما أبرّد [به] [3] غليل قلبي في الدّين والمذهب، وأنفي به الحرج

(1) ورد ذكره في الصداقة 24.

(2) أرن: مرح ونشط.

(3) تكملة يدل عليها ما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت