وعليّ هنا أن أتقدم للمجمع العلمي العربي برجاء قبول عذري عن تأخري زمنا طويلا دون إنجاز العمل في هذا الكتاب، وأن أسجل له شكري الخالص على تفضّله بطبعه ضمن نشرياته.
وقد بذلت جهدي، وعساني أصبت أو قاربت. فإن أخطأت فلله وحده صفة الكمال.
الرباط 8/ 6/ 1965م محمد بن تاويت الطنجي
بسم الله الرّحمن الرّحيم [1]
الحمد لله ربّ العالمين، وصلواته على خير خلقه محمّد وآله الطيبين.
أمتعك الله بنعمته عليك، وتولّاك بحسن معونته لك وألهمك حمده، وأوزعك شكره، ومنحك صنعه وتوفيقه وأكسبك عفوه وعافيته، وأوصل إليك رأفته ورحمته، وصرف رغبتك إلى ما خلص عندك نفعه عاجلا، وحلّت لك ثمرته آجلا وعرّفك ما في الغيبة والفرية من الهجنة والشّناعة، وما في إظهار العيب والتّنديد من العار والتّباعة، وما في الإعراض عن أعراض الناس من السّلامة والفائدة، وما في مباقاتهم ومقاربتهم والتّوقير لهم من الرّاحة والعائدة [2] ، حتّى لا تأتى ما تأتى إلّا وأنت واثق بعاقبته ومرجوعه، ولا تدع ما تدع إلا وأنت محسوم الطّمع من خيره ومردوده، وحتّى لا تتكلّف إلا ما في وسعك وطاقتك، ولا تكلّف
(1) في الأصل بعد البسملة: «أخلاق الصاحب وابن العميد لأبي حيان»
(2) في الأصل: «والفائدة» .
أحدا إلا ماله طريق إلى طاعتك وإجابتك، وعنده الحجّة القوية في تقديم أمرك، والتلوّى فيما يتحمّله لك ويتوخّى فيه مسرّتك، ويقصد به جذلك وغبطتك، ويصير بالصّبر عليه من أوليائك وشيعتك، ولا يخرج معه إلى محادّتك ومخالفتك، لأمر يعوز، وحادث يعرض، وعطن يضيق، وبال ينخزل (1) ، وطباع تخور، وحاسد يطعن، وعدوّ يعترض، وجاهل يتعجرف، وسفيه يتهانف (2) ، وصدر يحرج، ولسان يتلجلج بل يتلقّى أمرك بالقبول، وينشط لخدمتك بالتأميل (3) ويرى أنّ ما يناله من رضاك فوق ما يبذل فيه جهده لك، وما يحرزه من ثوابك أضعاف ما يبرزه من كدحه عندك، وما ينجو (4) به من عتبك واستزادتك (5)
يوفي على ما يتعلّق بسعيه في مرادك، وما يعزّ به في الثّاني من إحمادك أردّ عليه مما يذلّ به في الأول من اقتراحك، وما يقوى به من اليقين والطمأنينة في كرامته عندك أكثر مما يضعف به من الترنّح والشكّ في بواره عليك.
(1) ينخزل: ينقطع. وفي الأصل: «ينحزل»
(2) يتهانف: يضحك ساخرا.
(3) التأميل: الرجاء.
(4) في الأصل «ينجوا» .
(5) استزادتك: عتبك، والوجد عليك.
وهذا باب يرجع إلى معرفة الأحوال إذا وردت مشتبهة مستبهمة، وعواقب الأمور إذا صدرت مستنيرة متوضّحة وثمرة هذه المعرفة السّلامة في الدنيا والكرامة في الآخرة، وبهذه المعرفة يصحّ الصّرف والموازنة، وتمييز ما اختلف فيه مما اتّفق عليه، وما ترجّح بين الاختلاف والاتفّاق، ولم يقم عند الامتحان والنظر على ساق.
وهذه حال لا تستفاد إلا بقلة الرضا عن النّفس، وترك الهويني (1)
في التّشاور والتّخاير (2) ، ومجانبة الوكال (3) كيف دار الأمر وأين بلغت الغاية.
وأنت حفظك الله إذا نظرت إلى الدّنيا وجدتها قائمة على هذه الأركان، جارية على هذه الأصول، ثابتة على هذه العادة فكلّ من كان نصيبه من الكيس والحزامة (4) أكثر، كان قسطه من النّفع والعائدة أوفر، وكلّ من كان حظّه من العقل والتأييد أنزر، كانت تجارته فيها أخسر، وعاقبته منها أعسر.
وهذا الباب جماع المنافع والمضارّ، وبه يقع التفاوت بين الاخيار والأشرار، وبين السّفلة وذوى الأقدار وهو باب ينتظم الصّدق
(1) الهوينى: التكاسل. وفي الأصل: «الهوينا» .
(2) هكذا بالأصل، وكأنها: «التخابر» .
(3) الوكال، بوزن كتاب وسحاب: البظء والضعف.
(4) الحزامة: الحزم.
والكذب في القول، والخير والشرّ في الفعل، والحقّ والباطل في الاعتقاد، والعدل والجور فيما عمّ، والإخلاص واليقين فيما خصّ، والراحة والسكون فيما بان ووضح، والقناعة والصبر فيما نأى ونزح ومتى تمّت هذه المعرفة، واستحكمت هذه البصيرة، كان الإقدام على ثقة بالظّفر، والنكّول عن اطلاع على الغيب.
وهذه معان من أبصرها نقدها، ومن نقدها أخذ بها وأعطى، وكان فيها أنفد من غيره وأمضى وهناك يحكم لغوره بالبعد، ولصدره بالسّعة، ولصيته بالطّيرورة (1) ، ولطباعه بالكرم، ولخلقه بالسّهولة ولعوده بالصّلابة، ولنفسه بالمرارة، ولوجهه بالطّلاقة، ولبشاشته (2) بالخلابة.
ومتى عاشرت من هذا نعته وحديثه نعمت معه، وسلمت عليه (3) ، وسعدت به، وكرمت لديه، وكان حظّك من خلالته (4) ومجاورته الغبطة به، والغنيمة بمكانه وأنّى لك بمن هذا وصفه وخبره، ومن لك بالمرء الذي لا بعده، مع اضطراب دعائم الدّنيا، وتساقط أركان الدّين؟ والأول يقول:
(1) الطيرورة: الطيران.
(2) في الأصل: «وللبشاته» .
(3) الخلالة: الصداقة.
(4) سلمت عليه: سلمت منه. وهو تعبير يتكرر في كلام أبي حيان.
وكيف التماس الدّر والضّرع يابس (1)
وما لامرىء ممّا قضى الله مزحل (2)
وليس لرحل حطّه الله حامل (3)
إنّ البريء من الهنات سعيد (4)
وما خير سيف لم يؤيّد بقائم (5)
ولكن أين بالسّيف ضارب (6)
(1) عجز بيت للمرقش الأكبر. وهو في المفضليات 227، وصدره:
«تعاللتها وليس طبى بدرّها»
(2) عجز بيت لابراهيم بن كنيف النبهاني، وصدره:
«فكيف وكل ليس يعدو حمامه»
وهو مع أبيات في الحماسة (بشرح التبريزي 1/ 137) ، وأمالي القالي 1/ 171
(3) عجز بيت لكعب بن زهير، وصدره:
«وليس لمن لم يركب الهول بغية»
وهو مع بيت آخر في شرح ديوانه 257، (عيون الأخبار 1/ 231، وفي الشعراء(65ليدن) نسبه ابن قتيبة لزهير، ثم قال: وقيل إنه لولده كعب، وهو في ديوان زهير بشرح ثعلب 300، ومختارات ابن الشجري 65 منسوبا لزهير أيضا.
(4) أوله: «فأصون عرضي أن ينال بنجوة»
وهو في تهذيب الأزهري ولسان العرب (نجا) ، غير منسوب.
(5) عجز بيت لبشار بن برد من قصيدة يهجو فيها المنصور العباسي، وصدره:
«وما خير كف أمسك الغلّ أختها»
وهو في ديوان المعاني 1/ 137، والمختار من شعر بشار 201، والغرر للمرتضى 1/ 92.
(6) جزء من بيت غفل، وتتمته: «فهذي سيوف يا عدى بن مالك * كثير»
الله يرزق لا كيس ولا حمق (1)
والبرّ خير حقيبة الرّجل (2)
ولقد أجاد المخزوميّ أبو سعد (3) في قوله:
اصطلح السائل والمسؤول ... ليس إلى مكرمة سبيل
غال بإخوان الوفاء غول ... كلّ امرىء بشأنه مشغول
وما أبعد الآخر حين يقول:
أرى الناس شتّى في النّجار وإن غدت ... خلائقهم في اللّؤم واحدة النّجر (4)
ويروى: «يا صدي بن مالك» ، وهو في «ليس في كلام العرب» لابن خالويه 66، ورسالة الملائكة لأبي العلاء 24، والبحر المحيط لأبي حيان 5/ 12.
(1) عجز بيت لأبي العتاهيه من قصيدة في أمالي الزجاجي 37، والرواية هناك: «والله يرزق» وصدره:
«كلّ امرىء فله رزق سيبلغه»
(2) عجز بيت لامريء القيس، وصدره:
«الله أنجح ما طلبت به»
وهو في ديوان المعاني 1/ 81، والعمدة لابن رشيق 1/ 252برواية «الرجل» .
(3) أبو سعد المخزومي ممن عرف بكنيته، واسمه عيسى بن الوليد وهو شاعر عباسي عاصر دعبلا الخزاعي وعبد الله بن أبي الشيص. وترد كنيته في كثير من كتب الأدب: «أبو سعيد» ، وذلك تصحيف، وله ديوان قدره ابن النديم بمئة وخمسين ورقة.
انظر الفهرست 235، الأغاني 18/ 5450، البيان 3/ 250.
(4) النجار: الحسب والخلق، والنّجر: الاصل والطبيعة.
وقد زادني عتبا على الدّهر أنّني ... عدمت الذي يعدي على حادث الدّهر
وهذا كثير، ولداء فيه متفاقم، والقول عليه معاد مملول.
فإن قلت: هاؤلاء شعراء، والشّعراء سفهاء، ليسوا علماء ولا حكماء، وإنما يقولون ما يقولون، والجشع باد منهم، والطمع غالب عليهم، وعلى قدر الرّغبة والرّهبة يكون صوابهم وخطأهم ومن أمكن أن يزحزح عن الحقّ بأدنى طمع، ويحمل على الباطل بأيسر رغبة، فليس ممّن يكون لقوله إتاء (1) ، أو لحكمته مضاء، أو لقدره رفعة، أو في خلقه طهارة ولهذا قال القائل:
لا تصحبنّ شاعرا فإنّه ... يهجوك مجّانا ويطري بثمن
وهذا لأنه مع الرّيح، أين مالت به مال، يتطوّح مع أقلّ عارض، ويجيب أول ناعق، ويشيم (2) أيّ برق لاح، ولا يبالي في أيّ واد طاح فقد جمع دينه ومروءته في قرن تهاونا بهما، وعجزا عن تدبيرهما فهو لا يكترث كيف أجاب سائلا، وكيف أبطل مجيبا، وكيف ذمّ كاذبا ومتحاملا، وكيف مدح مواربا ومخاتلا (3) . فلا تفعل (4) ، فداك
(1) الإتاء، بوزن كتاب: الثمرة والقيمة. وفي الأصل: «آتاء» .
(2) شام البرق: نظر إليه ليعرف أين يتجه وأين يمطر.
(3) في الأصل: «ومخاثلا» .
(4) هذا جواب قوله: «فإن قلت» .
عمّك، وشبّ ابنك، فإنّ رسول الله صلّى الله عليه قد قال: «إن من الشّعر لحكما» (1) ، كما قال: «وإنّ من البيان لسحرا» (1) ، وكيف لا يكون ذلك كذلك وفيه مثل قول لبيد (2) :
إن تقوى ربّنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل (3)
والشّعر كلام وإن كان من قبيل النظم، كما أن الخطبة كلام وإن كان من قبيل النّثر، والانتثار والانتظام صورتان للكلام في السّمع، كما أن الحقّ والباطل صورتان للمعنى، وكذلك المثل في السمع (؟) ، وليس الصواب مقصورا على النّثر دون النظم، ولا الحقّ مقبولا بالنّظم دون النّثر وما رأينا أحدا أغضى على باطل النّظم واعترض على حقّ النّثر لأن النّثر لا ينتقص من الحق شيئا وما أحسن ما قال القائل (4) :
(1) الحديث بهذه الصيغة في النهاية 1/ 246، 1/ 150، الامتاع والمؤانسة 3/ 163، زهر الآداب 1/ 53، 38وهو برواية: «إن من البيان سحرا، ومن الشعر حكما» في صحيح الترمذي (مع عارضة الأحوذي 10/ 287 288) ، مسند الإمام أحمد 1/ 309303.
(2) ترجمة لبيد ومراجعها في الشعراء 231، والمكاثرة 33.
(3) البيت مع آخرين في الأغاني 14/ 98، وهو في اللسان (نفل) برواية: «ريثي والعجل» .
(4) هو حسان بن ثابت (الشعراء 264) ، والبيتان في ديوانه 292، العمدة 1/ 95، شرح المقامات 1/ 12. وترتيبهما على عكس رواية ابي حيان هنا.
وإنّما الشعر لبّ المرء يعرضه ... على المجالس إن كيسا وإن حمقا
وإنّ أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال، إذا أنشدته، صدقا
وهذا باب لا يفيد الإغراق فيه إلّا ما يفيد التّوسط والقصد، فلا وجه مع هذا للإطالة، ولما يكون سببا للملالة.
وهذه الجملة أكرمك الله أنت أحوجتني إليها، وجشّمتني صعبها حتى نشبت بها قائما وقاعدا، وتقلّبت في حافاتها مختارا ومضطرا، وتصرّفت في فنونها محسنا ومسيئا، لما تابعت إليّ من كتاب بعد كتاب، تطالبني في جميعه (4) بنسخ أشياء من حديث ابن عبّاد وابن العميد وغيرهما ممّن أدركت في عصري من هاؤلاء، منذ سنة خمسين وثلاثمائة إلى هذه الغاية، وزعمت أنّي قد خبرت هذين الرجلين من غمار الباقين، ووقفت على شأنهما، واستبنت دخائلهما، وعرفت خوافي أحوالهما، وغرائب مذاهبهما وأخلاقهما. ولعمري قد كان أكثر ذاك، إما بالمشاهدة والصّحبة، وإمّا بالسّماع والرّواية من البطانة والحاشية والنّدماء وذوي الملابسة.
وقلت: ينبغي أن تضيف إلى ذلك ما يتعلّق به، ويدخل في طرازه / ولا يخرج عن الإفادة بذكره، والاستفادة من نشره فإن
(4) كذا في الأصل، والأولى «جميعها» .
ذلك يأتي على كل ما تتوق إليه النّفس من كرم ولؤم، وزيادة ونقص، وورع وانسلاخ، ورزانة وسخف، وكيس وبله، وشجاعة وجبن، ووفاء وغدر، وسياسة وإهمال، واستعفاف ونطف (1) ، ودهاء وغفلة، وبيان وعيّ، ورشاد وغيّ، وخطإ وصواب، وحلم وسفه، وخلاعة وتمالك، ونزاهة ودنس، وفظاظة ورقّة، وحياء وقحة، ورحمة وقسوة.
وقلت: ولا يحلو (2) موقع ذلك كلّه ولا يعذب ورده، ولا يغزر عدّه (3) ، ولا ينقاد السمع له، ولا يراح (4) القلب به إلا بعد أن تدع المحاشاة (5) وأنت مقتدر، وتفارق المخاشاة (6) وأنت منتصر، وإلا بعد أن تترك العدوّ والحاسد ينقدّان (7) بغيظهما انقدادا، ويرتدان على أعقابهما ارتدادا فإن التّقية في هذا الفنّ مجزعة مضرعة، وركوب الرّدع فيه مأثرة ومفخرة.
(1) النطف: التلطخ بالعيب.
(2) في الاصل: «ولا يجل» .
(3) العدّ: الماء الجاري الذي له مادة لا تنقطع.
(4) راح القلب يراح: برد وطاب.
(5) المحاشاة: التجنب.
(6) المخاشاة: الخوف، مفاعلة من الخشية.
(7) ينقدّان: ينشقان من الغيظ، وفي الأصل: «يتّقدان» .
وقلت والعامة تقوله: من جعل نفسه شاة دقّ عنقه الذّئب (1) ، ومن صيّر نفسه نخالة أكله الدّجاج، ومن نام على قارعة الطريق دقّته الحوافر دقّا، والكبر في استيفاء الحق من غير ظلم، كالتّواضع في أداء الحق من غير ذل، وكما أن المنع في موضع الإعطاء حرمان، كذلك الإعطاء في موضع المنع خذلان وكما أن الكلام في موضع الصّمت فضل وهذر، كذلك السكوت في موضع الكلام لكنة وحصر، وكما أن القلوب جبلت على حبّ من أحسن إليها، كذلك النّفوس طبعت على بغض من أساء إليها والجبل والطّبع وإن افترقا في اللفظ فإنهما يجتمعان في المعنى، وكما أن الحبّ نتيجة الإحسان، كذلك البغض نتيجة الإساءة، وكما أن المنعم عليه لا يتهنأ (2) بنعمته الواصلة إليه إلا بالشّكر لواهبها، كذلك المساء إليه لا يجد برد غلّته ولذّة حياته إلا بأن يشكو (3)
صاحب الإساءة، وإلا بأن يهجو (4) المانع، ويذمّ المقصّر، ويثلب الحارم وينادي على الخسيس السّاقط، والنّذل الهابط، في كلّ سوق، وفي كل مجلس، وعند كل هزل وجدّ، ومع كل شكل وضدّ ميزان عدل، ووزن بقسط، ونصفة مقبولة، وعادة جارية على وجه الدّهر.
(1) مثل من أمثال العامة، ذكره الآبي في «نثر الدرر» صحيفة 706 (نسخة كوپريلي)
(2) لا يتهنأ: لا يستسيغ ولا يلتذّ.
(3) في الأصل: «يشكوا» .
(4) في الأصل: «يهجوا» .
وقلت أيضا: ومن وجع قلبه وجعك، وألم علّته ألمك وحرم حرمانك، وخيّب خيبتك، وجرّع ما جرّعته، وقصد بما قصدت به، وعومل بما شاع لك، قال وأطال، وكرّر وسيّر، وأعاد وأبدأ، وعرّض وصرّح، ومرّض وصحّح (1) ، وقام وقعد، وقرّب وبعّد وإنّ عينا ترقد على الضّيم للعمى أحسن بها، وإن نفسا تقرّ على الخسف للموت أولى بها من حياتها.
وقلت: أما سمعت قول العاتب على ابن العميد في رسالته حين قال الحقّ له؟
قال: (2) وليعلم المرء وإن عزّ سلطانه، وعلا مكانه، وكثرت حاشيته وغاشيته، وملك الأعنة، وقاد الأزمّة أنه ينعم له (3) في الحمد على الحسن، والذّم على القبيح، وأن المخوف يرتاب (4) من ورائه
(1) مرّض الأمر: وهّنه، ورأى مريض: فيه انحراف عن الصواب، ومرّض الحديث: ضعفه.
(2) وردت هذه الفقرة: «وليعلم المرء من ساس الناس» في «البصائر والذخائر» (ج 1ورقة 50أ 50ب نسخة الفاتح رقم 3695) ، وهى حسب قول أبي حيان هناك جزء من رسالة طويلة، وقد أورد منها فاتحتها، وبعض فقر منها، ووعد بان «يوردها على ما هي» .
(3) ينعم له في الحمد: يزاد له فيه.
(4) يرتاب من ورائه: يتعرض له في غيبته ويتّهم. ورواية البصائر:
«يغتاب من ورائه» .
كما يقرّع المأمون في وجهه، فأعلاهما حالا أكثرهما عند التقصير وبالا.
وهذا باب يعرفه من النّاس من ساس الناس وهذا الكاتب يعرف بالأشلّ (1) .
وقلت أيضا:
ولست أسألك أن لا تذكر من حديثهما إلّا ما كان جالبا لمقتهما، وداعيا إلى الزّراية عليهما، وباعثا على سوء القول والاعتقاد فيهما، بل تضيف إلى ذلك ما قد شاع لهما وشهر عنهما، من فضائل لم يثلثهما فيها أحد في زمانهما، ولا كثير ممن تقدّمهما فإن الفائدة المطلوبة في أمرهما وشرح حديثهما، تأديب النّفس، واجتلاب الأنس، وإصلاح الخلق، وتخليص ما حسن مما قبح، وتسليط النّظر الصّحيح، مع العدل المحمود فيما أشكل واشتبه بين الحسن المطلق والقبيح المطلق، وقلت:
ومما ينبغي أن لا تغفله ولا تذهب عنه، وتطالب نفسك بالتيقّظ فيه، والتّجمّع له: باب اللفظ والمعنى في الصّدق والكذب،
(1) يقول عنه أبو حيان في البصائر 1/ 50ا: «وبعض الكتاب يقول:
وما خلق الله شيئا لا موضع له حتى يسقط البتة. هذا من رسالة لبعض من انتجع سماء الرئيس أبي الفضل ابن العميد، وبقى على بابه أسير طمع يزلقه على مداحض الذل، ومتوقع يأس لا يصح له فينتهى إلى الغير، فكتب إليه بعد ملاحم (50ب) رسالة أولها» الخ.
فإنّك إن حرّفت / في هذا بعض التحريف، أو جزّفت (1) في ذاك بعض التجزيف، خرج معناك من أن يكون فخما نبيلا، ولفظك من أن يكون حلوا مقبولا، لأن الأحوال كلّها في صلاحها وفسادها موضوعة دون اللفظ المونق، والتأليف المعجب، والنّظم المتلائم وما أكثر من ردّ صالح معناه لفاسد لفظه، وقبل فاسد معناه لصالح لفظه! وقلت:
وإنما نبّهتك على هذا شفقة عليك، وحرصا على أن لا يكون لمعنت وعائب طريق إليك، وأنت بحمد الله مستوص لا تحوج إلى تنبيه بعنف، وإن أحوجت إلى إذكار بلطف وقد كان البيان عزيزا في وقت البيان، والنّصح غريبا في وقت النّصح، والدين مستطرف في وقت الدين، إذ الحكمة معانقة بالصّدر والنّحر، مقبّلة بكل شفة وثغر، مخطوبة من جميع الآفاق، يقرع من أجلها كلّ باب، ويحرق على فائتها كلّ ناب (2) ، والأدب متنافس فيه، محروص على الاستكثار منه (3) ، مع شعبه الكثيرة وطرائقه المختلفة والدين في عرض ذلك مذبوب عنه بالقول والعمل، مرجوع إليه بالرّضا والتسليم، مقنوع به في
(1) جزّفت: أرسلت القول جزافا من غير تقديره ووزنه.
(2) حرق الناب: صوت عند احتكاكه بناب آخر، يفعل ذلك عند الندم والغيظ.
(3) في الأصل: «على الإكثار منه» . وما أثبت عن حاشية الأصل.
العضب والحلم فكيف اليوم وقد استحالت الحال عجماء، وملك الغنى والثّراء الرؤساء والعلماء، وقلّ الخائض فيما كسب زيادة أو نفى نقيصة، وأورث عزّا وأعقب فوزا.
وقلت:
وليكن ذلك (1) كلّه إذا نشطت له مقصورا غير مبسوط، أو بين المقصور والمبسوط، فإنه إن زاد على هذا التحّديد طال، وإذا طال ملّ، وإذا ملّ نظر إلى صحيحه بعين السّقيم، وحكم على حقّه بلسان الباطل، وتخيّل القصد فيه إسرافا، والعدل فيه جورا، وعند ذلك يحول عن بهجته ومائه، ورونقه وصفائه.
وجميع ما قلته حاطك الله وأتيت به، وسحبت ذيلك عليه، ورفلت أعطافك فيه، قد سمعته وفهمته، وطويته في نفسي وبسطته، وجمعته بذهني وفرّقته، ونظمته عندي ونثرته ولست جاهلا به ولا ذاهلا عنه، ولكن من لي بعتاد ذلك كلّه، وبالتأتيّ له، وبالقدرة عليه، وبالسّلامة فيه إن فاتتني الغنيمة فيه؟ مع صدري الضيّق، وبالي المشغول ومع رزوح الحال (2) ، وفقد النّصر، وعدم القوت، وسوء الجزع، وضعف التوكل نعم!، ومع الأدب المدخول، واللسان الملجلج، والعلم
(1) في الأصل: «ولكن ذلك» .
(2) رزوح الحال: ضعفها.
القليل، والبيان النّزر، والخوف المانع وإني لأظنّ أن الطائع لك في هذه الخطة، والمجيب عن هذه المسألة، قليل التقّية، سيّء البقية، ضعيف البديهة والرّوية لأنه يتصدّى لما لا يفي به، ولا يتّسع له، ولا يتمكّن منه فإن وفى واتّسع وتمكّن لم يسلم على كثير ممن يقرأ كلامه، ويتصفّح أمره، ويقصّ أثره، ويطلب عثرته لأن الناس في نشر المدح والذّم، وفي بسط العذر واللّوم على آراء مختلفة، ومذاهب متباينة، وأهواء مشتعلة (1) ، وعادات متعاندة.
على أنّهم، بعد شدة جدالهم وطول مرائهم (2) ، رجلان:
متعصّب لمن تذمّه وتعيبه وتنثّ (3) القبيح عنه، فهو يغتفر له جميع ما يسمع منك، صادقا كنت أو كاذبا، معرّضا كنت أو مفصحا.
أو متعصّب على من تمدحه وتزكّيه وتفضّله وتثني عليه، فهو يردّ عليك كلّ ما تدّعيه، محقّقا كنت أو مجزّفا، موضّحا كنت أو مزخرفا ولذلك قال بعض علماء السّلف الصالح: هما امر آن مثواك بينهما، راض عنك فهو يمنحك أكثر مما هو لك، وساخط عليك يتنقّصك (4) من حقك فرمّ ما ثلم الباغي بفضلة الراضي يعتدل بك الأمر
(1) مشتعلة: مختلطة متفرقة.
(2) في الأصل: «وطول مراتهم» .
(3) نث الحديث: أذاعه وأفشاه.
(4) في الأصل: «يننقّصك» .
والشاعر قد فرغ من هذا المعنى وسيّره في قريضه المشهور المتداول حيث يقول:
وعين الرّضا عن كل عيب كليلة ... ولكنّ عين السخط تبدي المساويا (1)
على أن هذا الشاعر قد أثبت العيب وإن كان قد وصفه بكلول العين عنه، ودلّ على المساوي وإن كان السّخط مبديها، وهذا لأن الهوى مقيم لا بث والرأي مجتاز عارض، ولا بد للهوى من أن يعمل عمله، ويبلغ مبلغه، وله قرار لا يطمئن / دونه، وحد هو أبدا يتعدّاه ويتجاوزه، وله غول تضلّ، وتمساح يبتلع، وثعبان إذا نفخ لا يبقي ولا يذر، والرأي عنده غريب خامل، وناصح مجهول.
وقال بعض الحكماء (2) : فضل ما بين الرأي والهوى أن الهوى يخصّ والرأي يعمّ، والهوى في حيّز العاجل، والرأي في حيّز الآجل، والرأي يبقى على الدّهر، والهوى سريع البيود (3) كالزّهر، والرأي
(1) البيت لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (الاغاني 11/ 7463، البيان 1/ 312) وهو مع أبيات في عيون الأخبار 3/ 75 76، 3/ 11، كامل المبرد 1/ 183، زهر الآداب 1/ 125، والرواية فيها:
«فعين الرضا» .
(2) في زهر الآداب 3/ 243: «وقال بعض الفلاسفة اليونانيين» ثم ذكر الخبر برواية تختلف ألفاظها عما هنا قليلا.
(3) البيود: الهلاك.