فهرس الكتاب

الصفحة 448 من 656

ولمّا كان البيان لا يكون بيانا، والبلاغة لا تصير بلاغة إلّا بأن يكون المتكلّم آخذا في كلّ واد، قادحا بكلّ زناد، مستظهرا بكلّ عتاد، وجب أن يدخل الهزل في الجدّ إمتاعا واستمتاعا، ويدخل الجدّ في الهزل اقتدارا واتّساعا.

قال ابن فارس: وأيّ خصوصية تكون في هذا، ونحن بالفارسية نرى هذا المذهب، ولعلّ سائر اللغات على ذلك؟

فقال: القول كما قلت، ولكن أين مزية بيان العرب على جميع ما لأصناف العجم؟

ثم قال: إن الغرض الأول في الكلام الإفادة، وجلّ الأمم على هذا.

والثّاني تحسين الإفادة، ثم التّحسين تارة يكون بمعاني التّوكيد، وتارة يكون بمعاني الحذف، وتارة يكون بوزن اللّفظ، وبتعديل الوزن، وبتسهيل المطالع، وبتبديل المقاطع وهذه الأنواع وغيرها ممّا يطول إحصاؤه وهو للعرب خاصّة، ولباقي الأمم عامّة.

ثم قال: وقد اشتمل القرآن على هذا كلّه، وعلى ضروب أخر لم تكن في عادة القوم فاشية ولا كثيرة، ولكن كالشيء البديع، ألا ترى أنّك لا تجد شوافع هذه المعاني التي في الكتاب غريبة في منثور كلامهم ولا في منظومه؟ وأنت تعلم أنّهم كانوا لا يسكتون،

وكان ولوعهم بالكلام أشدّ من ولوعهم بكلّ شيء، وكلّ ولوع كان لهم بعد الكلام فإنّما كان بالكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت