الصفحة 72 من 75

{حكي} عن بعضهم: أنه قال: عندنا رجل حداد كان يدخل يده في النار، ويخرج بها الحديد المحمي ولا تمسه النار، فقصده رجل لينظر صدق ذلك لأمر، وسأل عن الحداد. فلما رآه يصنع كما وصف له أمهله الرجل، حتى فرغ من صنعته، فأتاه وسلم عليه، فردّ عليه السلام. فقال له الرجل:"إني ضيفك في هذه الليلة". فقال:"الحداد حبا وكرامة"، فمضى به إلى منزله، وتعشى معه، وبات وهو معه، فلم يزد على فرضه، ونام إلى الصبح. فقال الرجل في نفسه:"لعله استتر مني في هذه الليلة". فبات عنده ثاني ليلة، وهو على حاله، لايزيد على الفرض. فقال له الرجل:"يا أخي، إني سمعت ما أكرمك الله به، ورأيته ظاهرا عليك، ثم نظرت، فما رأيت منك كثرة عمل، ولم تزد على فرضك. فمن أين لك هذه المرتبة؟". فقال له الحداد:"يا أخي، إنه كان لي حديث عجيب وأمر غريب، وذلك أنه كان لي جارة جميلة، وكنت بها مولعا، فراودتها عن نفسها مرارا عديدة، فلم أقدر عليها لاعتصامها بالورع، فجاءت سنة قحط، وعدم تالطعام وعم الجوع الأنام، فبينما أنا يوما من الأيام جالس ببيتي إذا بقارع يقرع الباب فخرجت لأنظر إليه، فإذا بها واقفة بالباب، فقالت:"يا أخي، أصابني جوع شديد، فهل لك أن تطعمني لله؟". فقلت لها:"أما تعلمين ما أنا فيه من حبك، فما أطعمك إلاّ إن مكنتني من نفسك". فقالت:"الموت، ولا معصية مع الله". ومضت إلى منزلها. فلما كانت بعد يومين عادت إليّ، وقالت لي كالمرة الأولى، فأجبتها مثل جوابي الأول، فدخلت وقعدت في البيت وقد أشرفت على الهلاك، فلما جعلت الطعام بين يديها ذرفت عيناها بالدموع، ثم قالت:"هذا لله"، فقلت:"لأن تمكنيني من نفسك". فقامت ولم تأكل منه شيئا وخرجت من عندي إلى منزلها. فلما كان بعد يومين إذا بها تقرع الباب، فخرجت إليها، وهي واقفة بالباب، وقد قطع الجوع صوتها وقصم ظهرها فقالت:"يا أخي، أعيتني الحيل ولم أقدر على التوجه لأحد غيرك، فهل لك أن تطعمني لله؟"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت