فهرس الكتاب
ص -204- من شأن السكر بنحو الخمر أنه يتولد عنه النشأة والطرب والعربدة والغضب والحمية ومن شأن السكر بنحو الحشيشة والجوزة أنه يتولد عنه أضداد ذلك من تخدير البدن وفتوره ومن طول السكوت والنوم وعدم الحمية وبقولي من شأن فيهما يعلم رد ما أورده الزركشي على القرافي من أن بعض شربة الخمر يوجد فيه ما ذكر في نحو الحشيشة وبعض أكلة نحو الحشيشة يوجد فيه ما ذكر من الخمر ووجه الرد أن ما نيط بالمظنة لا يؤثر فيه خروج بعض الأفراد كما أن القصر في السفر لما نيط بمظنة المشقة جاز وإن لم توجد المشقة في كثير من جزئياته فاتضح بذلك أنه لا خلاف بين من عبر في نحو الحشيشة بالإسكار ومن عبر بالتخدير والإفساد والمراد به إفساد خاص هو ما سبق فاندفع به قول الزركشي أن التعبير به يشمل الجنون والإغماء لأنهما مفسدان للعقل أيضا فظهر بما تقرر صحة قول الفقيه المذكور في السؤال إنها مخدرة وبطلان قول من نازعه في ذلك لكن إن كان لجهله عذر وبعد أن يطلع على ما ذكرناه عن العلماء متى زعم حلها، أو عدم تخديرها وإسكارها يعزر التعزير البليغ الزاجر له ولأمثاله بل قال ابن تيمية وأقره أهل مذهبه من زعم حل الحشيشة كفر فليحذر الإنسان من الوقوع في هذه الورطة عند أئمة هذا المذهب المعظم وعجيب ممن خاطر باستعمال الجوزة مع علمه بما ذكرناه فيها من المفاسد والإثم لأغراضه الفاسدة على تلك الأغراض التي يحصل جميعها بغيرها فقد صرح رئيس الأطباء ابن سينا في قانونه بأنه يقوم مقامها وزنها ونصف وزنها من السنبل فمن كان يستعمل منها قدرا ما ثم استعمل وزنه ونصف وزنه من السنبل حصلت له جميع أغراضه مع السلامة عن الإثم والتعرض لعقاب الله سبحانه وتعالى على أن فيها بعض مضار بالرئة ذكرها بعض الأطباء وقد خلى السنبل عن تلك المضار وقد حصل به مقصودها وزاد عليها بالسلامة من مضارها الدنيوية والأخروية والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب اهـ. جوابي في الجوزة وهو مشتمل على نفائس تتعلق بهذا الكتاب بل هو ظاهر في حرمة القات لأن الناس مختلفون في تأثير الجوزة أيضا فبعض آكليها يثبت لها تخديرا وبعضهم لا يثبت لها ذلك فإذا حرمها الأئمة مع اختلاف آكليها في تأثيرها فليحرموا القات ولا نظر للاختلاف في تأثيرها لكن الفرق بينهما أن الجوزة نظر فيها وحرمها من يعتد بنظرهم وبتجربتهم حتى علموا أن التخدير وصف ذاتي لها فلهذا حكموا بأنها مخدرة لذاتها وأعرضوا عمن لم ير منها تخديرا ولو تم ذلك في القات لألحقناه بها لكنه لم يتم كما قدمته ثم هذا الجواب مشتمل على بيان حكم الحشيشة وعلى تنقيح الخلاف في أنها مسكرة، أو مخدرة ومع ذلك فلا بأس بإعادته مع كلام الناس فيها على حدته لتتم فائدته وتعم عائدته فنقول ذكر الحكيم الترمذي في كتاب العلل أن الشيطان حين خرج من السفينة سرق معه شجرة الكرم فزرعها ثم ذبح خنزيرا فسقاها بدمه ثم ذبح كلبا فسقاها بدمه ثم ذبح قردا فسقاها بدمه فحصلت لها النجاسة من دم الخنزير وحصل لشاريها العربدة من دم القرد والحمية والغضب من دم الكلب فمن ثم ترى
ج / 4