فهرس الكتاب
ص -73- الْوَرَقَةُ الْمَكْتُوبُ فِيهَا ذَلِكَ لِشَيْخِنَا فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ كَتَبَ عَلَيْهَا جَوَابًا صُورَتُهُ اعْلَمْ أَنَّ مُنْشَأَ هَذِهِ الرُّدُودِ وَالْإِشْكَالَاتِ عَدَمُ صِدْقِ التَّأَمُّلِ مَعَ الِاتِّكَالِ عَلَى مَا يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ كَمَا سَتَعْلَمُهُ مِمَّا سَامَرَهُ. وَبَيَانُ ذَلِكَ مَعَ بَعْضِ الْبَسْطِ فِيهِ لِمَا أَنَّ الْمَقَامَ مُحْوِجٌ إلَى ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ الْإِضْمَارَ
وَالْحَذْفُ لَا يَكُونُ إلَخْ مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ فَإِنَّ نُصُوصَ الْأَئِمَّةِ قَاضِيَةٌ بِرَدِّهِ سِيَّمَا نَصُّ إمَامِهِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ آثَرَ الْإِضْمَارَ عَلَى النَّقْلِ فِي قوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] فَقَالَ أَيْ أَخْذَهُ وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ مَثَلًا فَإِذَا أُسْقِطَ صَحَّ الْبَيْعُ وَارْتَفَعَ الْإِثْمُ وَعَكَسَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرُهُ ذَلِكَ فَآثَرُوا النَّقْلَ عَلَى الْإِضْمَارِ فَقَالُوا نَقْلُ الرِّبَا شَرْعًا إلَى الْعَقْدِ فَهُوَ فَاسِدٌ وَإِنْ أُسْقِطَتْ الزِّيَادَةُ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ مَثَلًا وَالْإِثْمُ فِيهَا بَاقٍ فَانْظُرْ كَوْنَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَضْمَرَ مَعَ صِحَّةِ الْمَعْنَى بَلْ ظُهُورِهِ مَعَ عَدَمِ الْإِضْمَارِ وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ أَيْضًا فِي قوله تعالى: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: 4] أَنَّ فِيهِ إضْمَارًا أَيْ طَعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَهُوَ سِتُّونَ مُدًّا فَيَجُوز إعْطَاؤُهُ الْمِسْكِينَ الْوَاحِدَ سِتِّينَ مُدًّا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ الْآيَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا فَلَا يَجُوزُ إعْطَاؤُهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ مِسْكِينًا لِأَنَّ الْآيَةَ ظَاهِرَةٌ فِيهِ وَمِنْ ثَمَّ اُعْتُرِضَ الْقَوْلُ بِالْإِضْمَارِ بِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِيهِ مَا لَمْ يُذْكَرْ مِنْ الْمُضَافِ الْمُضْمَرِ وَأُلْغِيَ فِيهِ مَا ذُكِرَ مِنْ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ الظَّاهِرَةِ قَصَدَهُ بِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَبَرَكَتِهِمْ أَيْضًا فَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} فَقَدَّرَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مُضْمَرًا أَيْ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ لِأَنَّ بِهَا يَحْصُلُ الِانْكِفَافُ عَنْ الْقَتْلِ فَيَكُونُ الْخِطَابُ عَامًّا وَلَمْ يُقَدِّرْ ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا فِي الْقِصَاصِ نَفْسِهِ حَيَاةٌ لِوَرَثَةِ الْقَتِيلِ الْمُقْتَصِّينَ بِدَفْعِ شَرِّ الْقَاتِلِ الَّذِي صَارَ عَدُوًّا لَهُمْ فَيَكُونَ مُخْتَصًّا بِهِمْ فَتَأَمَّلْ صَنِيعَ الْأَئِمَّةِ وَتَصَرُّفَهُمْ فِي النُّصُوصِ بِالْإِضْمَارِ تَارَةً وَعَدَمِهِ أُخْرَى مَعَ صِحَّةِ الْمَعْنَى بَلْ ظُهُورُهُ مَعَ عَدَمِ الْإِضْمَارِ فَازْدَدْ بِذَلِكَ تَعَجُّبًا مِمَّا ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ وَمِنْ فِرَارِهِ عَنْ نُصُوصِ الْأَئِمَّةِ هَذِهِ وَأَمْثَالِهَا إلَى النَّقْلِ عَمَّنْ لَا يُجْدِيهِ النَّقْلُ عَنْهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ إذْ أَهْلُهُ الْمُجْتَهِدُونَ وَمَنْ دَانَاهُمْ. فَإِنْ قُلْت إنَّمَا سَلَكَ الْإِضْمَارَ مَنْ ذَكَرَ لِأَنَّهُ لَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عِنْدَهُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي ظَهَرَ لَهُ وَلَمْ يَصِحَّ اللَّفْظُ لِمُقْتَضَى مَا ظَهَرَ لَهُ إلَّا بِالْإِضْمَارِ كَانَ الْإِضْمَارُ مُتَعَيِّنًا وَلَمْ يَصِحَّ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ بِدُونِهِ فَهُوَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُسْتَشْكِلُ فَلَا يَرِدُ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورُ عَلَيْهِ نَقْضًا قُلْت بَلْ هُوَ وَارِدٌ عَلَيْهِ نَقْضًا وَرَدًّا لِأَنَّ الْحَامِلَ عَلَى الْإِضْمَارِ إذَا كَانَ بِاعْتِبَارِ مَا ظَهَرَ مِنْ الدَّلِيلِ الْمُتَوَقِّفِ هُوَ عَلَيْهِ كَانَ مَا سَلَكْنَاهُ فِي الْآيَةِ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الدَّلِيلَ قَامَ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ فَأَضْمَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا فِي الْآيَةِ وَلَا يُقَالُ مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَكْفِي لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا السُّؤَالُ لَا يَتَوَجَّهُ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْحَامِلَ عَلَى الْإِضْمَارِ يُفَوَّضُ إلَى رَأْي الْمُجْتَهِدِ سَوَاءٌ أَظَهَرَ دَلِيلُهُ أَمْ لَا كَمَا مَرَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي أَضْمَرْنَا فِيهَا لَيْسَتْ مِمَّا يَصِحُّ الْمَعْنَى فِيهِ مَعَ عَدَمِ الْإِضْمَارِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ أَحَاطَ بِكَلَامِ اللُّغَوِيِّينَ الْمُصَرِّحِ بِأَنَّ
ج / 2