ص -11- أيضا سنة أربعين ثم جاورا سنة إحدى وأربعين ثم عزم شيخه وأقام هو بمكة من ذلك الزمن يؤلف ويفتي ويدرس فشرح إيضاح النووي. ثم شرح الإرشاد شرحين ثم شرح العباب وإلى الآن لم يكمل لكن نسأل الله إكماله فإنه جمع المذهب جمعا لم يسبق إليه مع غاية من التحرير والتدقيق والتنقيح مستوعبا لما في كتب المذهب مع بيان الراجح والجواب عن المشكل مما تقر به العيون ثم شرح المنهاج وله في خلال ذلك تأليف نحو الخمسين مؤلفا يأتي كثير منها في هذه الفتاوى لأن أكثرها في مسائل يقع بينه وبين معاصريه فيها تخالف فتكون في حكم الفتاوى فلذا ذكرت كثيرا منها هنا.
ومن طريق ما سمعته منه أنه لما ولي بعض أقرانه قاضي القضاة طيشه علمه فرآه يوما في طيشه فأنشد ارتجالا لنفسه:
إذا أنت لا ترضى بأدنى معيشة مع الجد في نيل العلا والمآثر
فبادر إلى كسب الغنى مترقبا عظيم الرزايا وانطماس البصائر
فلم تمض تلك السنة إلا وقد عزل وأصيب بمصائب عظيمة سمعته يقول قاسيت في الجامع الأزهر من الجوع ما لا تحتمله الجبلة البشرية لولا معونة الله وتوفيقه بحيث إني جلست فيه نحو أربع سنين ما ذقت اللحم إلا في ليلة دعينا لأكل فإذا هو لحم يوقد عليه فانتظرناه إلى انبهار الليل ثم جيء به فإذا هو يابس كما هو نيء فلم أستطع منه لقمة وقاسيت أيضا من الإيذاء من بعض أهل الدروس التي كنا نحضرها ما هو أشد من ذلك الجوع إلى أن رأيت شيخنا ابن أبي الحمائل السابق قائما بين يدي سيدي أحمد البدوي فجيء باثنين كانا أكثر إيذاء لي فضربهما بين يديه بأمرين فمزقا كل ممزق وكذلك أوذي بمكة كثيرا فصبر فكفاه الله شر المؤذين1.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 توفي الإمام ابن حجر سنة 974 هـ وانظر ترجمته مؤلفاته في هدية العارفين 1/146.