ص -334- وَإِلَّا لَاتَّحَدَا فِي الْخِلَافِ أَوْ عَدَمِهِ وَأَنَّهَا ثَمَّ أَقْوَى مِنْهَا هُنَا وَبِهَذَا يَتَّضِحُ رَدُّ مَا يَأْتِي عَنْ الْأَذْرَعِيِّ أَنَّهُ يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِعَدَمِ صِحَّةِ التَّصْدِيقِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ وَتَوَجُّهِ الْأَدَاءِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُ بَدَلٌ وَوَجْهُ رَدِّهِ مَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي الْمَاءِ أَقْوَى لِمَا مَرَّ مِنْ تَعَلُّقِ الْحَقِّ فِيهِ بِالْعَيْنِ وَلَوْ لِلَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقُوا عَلَى الْحُرْمَةِ فِي الْمَاءِ دُونَ الصَّدَقَةِ فَكَيْفَ مَعَ ذَلِكَ يَتَأَتَّى الْجَزْمُ بِبُطْلَانِ التَّصَدُّقِ مَعَ الْخِلَافِ فِي حُرْمَتِهِ وَيُحْكَى الْخِلَافُ فِي هِبَةِ الْمَاءِ مَعَ الْجَزْمِ بِحُرْمَتِهَا هَذَا مِمَّا لَا يُتَعَقَّلُ فَالصَّوَابُ خِلَافُ مَا بَحَثَهُ هُوَ وَابْنُ الرِّفْعَةِ فَتَأَمَّلْ وَلَا يَصُدَّنَّك جَلَالَتُهُمَا فَإِنَّك بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِقِ يَتَّضِحُ لَك صِحَّةُ مَا ذَكَرْته.
"رَابِعُهَا": قَوْله وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَهُوَ مَفْرُوضٌ فِي غَيْرِ صُورَةِ السُّؤَالِ هَذَا فِيهِ مِنْ النَّظَرِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى أَدْنَى مُتَأَمِّلٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ بِسَوْقِ عِبَارَةِ الْمَجْمُوعِ ثُمَّ تَطْبِيقِهَا مَعَ صُورَةِ السُّؤَالِ الَّتِي أَجَابَ عَلَيْهَا وَعِبَارَتُهُ لَوْ وَهَبَ الْمَاءَ الصَّالِحَ لِطَهَارَتِهِ فِي الْوَقْتِ لِغَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَى الْعَطَشِ وَنَحْوِهِ أَوْ بَاعَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ إلَى ثَمَنِهِ فَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجَمَاعَاتٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ قَالَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَصَحُّهُمَا لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَلَا الْهِبَةُ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ حَرَامٌ فَهُوَ عَاجِزٌ شَرْعًا وَهُوَ كَالْعَاجِزِ حِسًّا وَبِهَذَا قَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ وَالصَّيْدَلَانِيّ وَالثَّانِي يَصِحَّانِ قَالَ الْإِمَامُ وَهُوَ الْأَقْيَسُ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَالْمَنْعُ لَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنًى فِي الْعَقْدِ وَاخْتَارَ الشَّاشِيُّ هَذَا وَقَالَ: الْأَوَّلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ تَوَجُّهَ الْفَرْضِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْهِبَةِ كَمَا لَوْ وَجَبَ عِتْقُ رَقَبَةٍ فِي كَفَّارَةٍ فَأَعْتَقَهَا لَا عَنْ الْكَفَّارَةِ أَوْ وَهَبَهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَكَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَطُولِبَ بِهَا فَوَهَبَ مَالَهُ وَسَلَّمَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَالْأَظْهَرُ مَا قَدَّمْنَا تَصْحِيحَهُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ يُشْبِهَانِ مَا لَوْ وَهَبَ رَجُلٌ لِلْوَالِي شَيْئًا تَطَوُّعًا عَلَى سَبِيلِ الرِّشْوَةِ هَلْ يَمْلِكُهُ مِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ الْمِلْكَ لِلْمَعْصِيَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَمْنَعْ وَقَالَ هُوَ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ انْتَهَتْ فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ حِكَايَةً عَنْ الشَّاشِيِّ وَكَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَطُولِبَ بِهَا فَوَهَبَ مَالَهُ وَسَلَّمَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَجِد صُورَتَهُ عَيْن صُورَةِ السُّؤَالِ السَّابِقَةِ الَّتِي هِيَ فَيُطَالِبُهُمْ أَهْلُ الدُّيُونِ فَيُبَادِرُونَ وَيَمْلِكُونَ أَمْوَالَهُمْ إلَخْ وَحِينَئِذٍ فَكَيْفَ مَعَ هَذَا الِاتِّحَادِ الْوَاضِحِ جِدًّا يُقَالُ إنَّ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَفْرُوضٌ فِي غَيْرِ صُورَةِ السُّؤَالِ فَإِنْ قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّ مَا فِيهِ فِيمَنْ يَرْجُو وَفَاءً وَمَا فِي السُّؤَالِ فِيمَنْ لَا يَرْجُوَا وَفَاءً قُلْنَا هَذَا تَحَكُّمٌ قَبِيحٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذَا الْقَيْدِ فَرِعَايَتُهُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَالصَّوَابُ أَنَّ مَا فِي الْمَجْمُوعِ وَالسُّؤَالِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ فِي أَنَّ الْمُتَبَرِّعَ بِالْهِبَةِ فِيهِمَا عَلَيْهِ دُيُونٌ مُسْتَغْرِقَةٌ لِمَالِهِ وَأَنَّهُ طُولِبَ بِهَا فَبَادَرَ وَتَصَرَّفَ فِيهَا بِتَبَرُّعٍ كَهِبَةٍ فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْأَصْحَابُ كَمَا يَأْتِي.
ج / 2