منها من أجل أني فعلت سنة كان علي أن أتركها لمصلحة التأليف، ولكني كنت قليل الفقه في هذه المسألة، وقد قررها أبو العباس ابن تيمية أكمل تقرير ولكن جهلي بها هو الذي أوقعني في مثل هذا الأمر فانتبهوا رحمكم الله تعالى لهذه المسألة والله يتولانا وإياكم. وهو أعلى وأعلم.
ومنها: قرر أبو العباس رحمه الله تعالى في الفتاوى أن الفقيه إذا كان يرى سنية القنوت في الوتر، وصلى بقوم لا يرون القنوت في الوتر وطلبوا منه أن لا يقنت بهم فإن المشروع في حقه ترك القنوت في هذه الحالة المعينة، وعلة ذلك طلب تأليف القلوب واتخاذ الكلمة وقطع أسباب الشقاق والخلاف المفضي إلى التنازع والتحزب وذلك لأن المندوب إذا كان في تركه تحصيل ذلك فالمشروع تركه لأنه إذا تعارض مصلحتان روعي أعلاهما بتفويت أدناهما، ولأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها والله أعلم.
ومنها: قرر أبو العباس في الفتاوى أن السنة ترك الجهر بالبسملة لورود الأدلة بذلك كحديث أنس في الصحيحين» أن النبي ? وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين «ولمسلم» لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها «وفي رواية» لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم «ولابن خزيمة» كانوا يسرون «ولكنه قرر أيضًا أن الجهر بها إذا كان فيه مصلحة تأليف القلوب فإن الأفضل في هذه الحالة المعينة أفضل، ومثال ذلك: إذا صلى الإنسان بقوم من الشافعية فإنه من المناسب جدًا الجهر بالبسملة لأن الشافعية يرون الجهر بها، وقد حدثني من أثق به أنه صلى إمامًا في بعض الدول الأفريقية ولم يجهر بالبسملة فأعادوا الصلاة وقنتوا عليه وكادت تكون فتنة، فالجهر بالبسملة وإن كان فعلًا مفضولًا إلا أنه في بعض الأحوال يكون فاضلًا وذلك إذا اقترنت به مصلحة التأليف، فإن مراعاة مصلحة التأليف أولى من مراعاة فعل هذا المندوب، وهذا هو الذي ندرسه لطلابنا، أعني الحرص على النظر في المصالح والمفاسد والله أعلم.
ومنها: الجهر بالتأمين فلا شك أن الجهر بالتأمين في الصلاة الجهرية هو السنة ولكن إذا صليت بقوم لا يرون الجهر به وهو مذهب بعض الحنفية، أو صليت بينهم فإن من المصلحة ترك الجهر بالتأمين تأليفًا لقلوبهم وتحصيلًا لأعلى المصلحتين، وقد حدثنا بعض الدعاة أنه صلى في مسجد في دولة ألبانيا وكان المسجد كبيرًا وعامرًا بالمصلين فلما قال إمامهم (ولا الضالين) رفع أخونا الداعية هذا صوته بالتأمين، ويقول: ولا يسمع في المسجد إلا تأميني فقط فلما فرغوا من الصلاة رماني القوم بأبصارهم عن قوسٍ واحدة وبدءوا يتناجون فيما بينهم وبعضهم قام وهو ينفض يده في وجهي منكرًا ما فعلته، يقول: وإنما أتيت مذكرًا وواعظًا فقلت: أنه من المناسب ترك التذكير في هذه الحالة، وهذا الداعية جزاه الله خيرًا وأجزل له الأجر والمثوبة لو أنه فقه هذه المسألة وترك الجهر بالتأمين لما حصل ما حصل ولتمكن من وعظهم وإيصال صوت الخير إليهم بقلوب مقبلة وإني بهذه المناسبة لأنادي وبأعلى صوتي:- إن من أهم المهمات أن يتعرف الداعية على المذهب المعتمد في البلاد التي يريد الدعوة فيها، وهذا واجب المؤسسة التي سينطلق منها، وذلك حتى يأخذ للأمر عدته ولا يقع في مثل هذه الإحراجات التي تكون سببًا لإفساد وتعطيل مقصوده الذي جاء من أجله وهذا من باب الدفع وقد تقرر أن الدفع أيسر من الرفع، فدفع الأمر قبل وقوعه أيسر من رفعه إذا وقع كما هو محسوس ومجرب والله ربنا أعلى وأعلم.
الحالة الثانية:- يستحب ترك المندوب أحيانًا لئلا يظن وجوبه، أو أنه سنة راتبة لا ينبغي الإخلال بها، فإذا ترتب على المداومة على المستحب إلحاقه بالواجبات فالسنة تركه أحيانًا حتى يتقرر في القلوب أنه ليس بواجب، وهذا في المندوبات التي ليست براتبه، أما السنن الراتبة فإنها لا تترك، قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى (لا ينبغي المداومة عليها - أي قراءة سورة السجدة في فجر يوم الجمعة- بحيث يتوهم الجهال أنها واجبة وأن تاركها مسيء بل ينبغي تركها أحيانًا لعدم وجوبها) وقال أيضًا: (لا يجوز أن تجعل المستحبات بمنزلة الواجبات بحيث يمتنع الرجل من تركها ويرى أنه قد خرج من دينه أو عصى الله ورسوله) ا. هـ. وقال أيضًا (وقد يكون ترك المندوب أفضل إذا كان الجهال يظنون أنها سنة راتبة
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)