ومن الأدلة: ما رواه ابن ماجة في سننه قال: حدثنا إسماعيل بن موسى السدي قال حدثنا سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله ? عن السمن والجبن والفراء؟ فقال:» الحلال ما أحله الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه, وما سكت عنه فهو مما عفا عنه «"حديث حسن"وهذا نص في هذه القاعدة وهو أن ما لم يرد بتحريمه ولا بحله دليل خاص فإنه مما عفا الله عنه، أي أنه على أصل الحل، فأي شيء سكت عنه النص فإن الأصل فيه الحل.
ومن الأدلة: أن الصحابة ? كانوا يأخذون الأشياء ويعطونها وينتفعون بها بمختلف أنواع الانتفاع من غير سؤال عن حلها، مما يدل على أنه كان قد تقرر في قلوبهم أن الأصل في هذه الأشياء الحل والإباحة، إذ لو كان الأمر بخلاف ذلك لما جاز لهم أن يستخدموا ذلك إلا بعد السؤال عن حكمها من حل أو حرمة، لكن لما كانوا يستخدمون ذلك من غير سبق سؤال عن الحكم دل ذلك على أن المتقرر عندهم في هذه الأشياء أنها حلال، وهذا كالإجماع منهم على هذا الأصل وقد نقل أبو العباس رحمه الله تعالى اتفاق العلماء السالفين على هذا الأصل فقال: (لست أعلم خلاف أحدٍ من العلماء السالفين في أن ما لم يجيء دليل بتحريمه فهو مطلقٍ غير محجور) ا. هـ. فهذه بعض الأدلة التي تفيدك صحة هذا الأصل المهم ولزيادة الوضوح نضرب لك بعض الأمثلة الفقهية المخرجة على هذا الأصل فأقول:-
منها: أن كل ما على وجه هذه الأرض فإنه إن لم يرد بتحريمها فإنها حلال، أيًَّا كانت هذه الأشياء فأي عين قد اختلف فيها أهل العلم بين محل لها ومحرم، فقف مع من قال بالحل لأنه الأصل إلا إن جاءك المحرم بدليل شرعي صحيح صريح على التحريم فإن جاء بالدليل المحرم فأهلًا وسهلًا وإلا فالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل، والله أعلم.
ومنها: أن الأصل في جميع العقود الحل، إلا ما ورد الدليل الشرعي الصحيح الصريح بتحريمه، فأي عقد وقع فيه خلاف بين محلل ومحرم، فقف مع القائل بالحل إلا إن جاء المحرم بالدليل، فإن جاء المحرم بدليل المنع وكان صالحًا للتمسك به فأهلًا وسهلًا وإلا فالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل والقاعدة في ذلك تقول (الأصل في المعاملات الحل والإباحة إلا بدليل) وقد شرحناها في كتابنا قواعد البيوع وفرائد الفروع والله أعلم.
ومنها: أن الأصل في الأعيان التي يصح نفعها صحة بيعها، إلا ما ورد الدليل بالمنع منه، فأي عين قد اختلف فيها العلماء هل يجوز بيعها أم لا يجوز فالأصل أن تقف موقف الحل إلا إن جاء المانع من بيعها بدليل المنع فإن جاء به وكان صالحًا للتمسك به فأهلًا وسهلًا وإلا فالأصل هو البقاء على الحل حتى يرد الناقل.
ومنها: أن الأصل في الأفعال والعادات الحل لأنها شيء من الأشياء، والأصل في الأشياء الحل، إلا ما حرمه الشارع، فأي عادة ثبت الخلاف فيها بين مجيز ومانع فقف مع من قال بالحل إلا إن جاء المانع بدليل المنع وكان صحيحًا صالحًا فنقول بمقتضى الدليل وإلا فالأصل هو البقاء على الحل حتى يرد الناقل.
ومنها: أن كل شيء ثبت الخلاف فيه هل هو طاهر أم نجس فقف مع القائل بالحل إلا إن جاء مدعي النجاسة على ذلك بالدليل الشرعي، فإن جاء به صحيحًا صريحًا قبلناه وعلى العين والرأس، وإلا فالأصل هو الطهارة، لأن الأصل في الأعيان الطهارة كما قدمناه سابقًا.
ومنها: اختلف أهل العلم في البول واقفًا، والصحيح جوازه من غير كراهة لكن بشرطين: الأول: أمن التلوث، والثاني: أن لا يراه أحد، فإذا توفر هذان الشرطان جاز، وحديث حذيفة في الصحيحين يدل على ذلك - أعني حديث السباطة - ويدل عليه أيضًا هذا الأصل، لأن البول واقفًا فعل من الأفعال وشيء من الأشياء والأصل فيها الإباحة إلا ما ورد الدليل بالمنع منه ولا نعلم دليلًا مرفوعًا صحيحًا في ذلك أي في المنع من البول واقفًا، فالصحيح إن شاء الله تعالى جواز البول واقفًا بمراعاة الشرطين السابقين والله أعلم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)