فطلقها و أرسلها إلى أهلها رحمة بها و لكن ولدت له داهية الدواهي يزيد بن معاوية هذا أمه كلبية بدوية و لذلك صار معربًا فذًا يقال أن من الطرائف أن معاوية رضي الله عنه كان له يزيد و كان له ولدًا آخر من أم قرشية يعني من بيت معاوية و لما طلّق أم يزيد و أرسلها صار معاوية يولي يزيد عناية أكثر فكانت أم القرشية كانت تغار و تقول: تفضل ولد البدوية على ولدي قال: إنه أنجب من ولدك، قالت: و ما يدلك؟ قال: سترين، فناداهما و اختبرهما أمام القرشية فقال لابن القرشية: يا بني ـ أطفال صغار ـ ماذا تشتهي؟
قال: أشتهي كلبًا و كليبة و كذا و كذا يعني يريد يلعب يخربط.
و قال ليزيد: ماذا تشتهي و ماذا تريد يا بني؟
قال: رضا أمير المؤمنين عني.
قال: و ماذا بعد ذلك؟
قال: لا شيء.
قال: بلى.
قال: أن يعهد أمر المسلمين إلي من بعده.
و هو صغير. فنكست القرشية رأسها، و قال: علمت لماذا أفضل هذا على هذا و فعلًا يزيد على كل حال قيل فيه ما قيل و لا ندخل الآن فيه و لهذا خير ما نجيب بما أجاب عنه السلف: ما تقول في يزيد؟ قال: لا ننقص و لا نزيد، أتحبه؟ قال: لا نحبه و لا نسبه. فأمره إلى الله عز و جل له حسنات و سيئات قاد الجيش إلى القسطنطينية و كان معه الصحابة و غزا و له أعمال و له أيضًا غير ذلك فنسأل الله أن يعفو عنه و أن يتوب على عصاة المسلمين جميعا.
و أيضًا و من هذا المعنى ما يذكر عن أعرابية أخرى تزوجها أعرابي حضري و أسكنها قصرًا فصار لها مثل ما صار لميسون بنت بحدل فطلقها و لها أبيات مشهورة مؤثرة جدًا كانت تقول:
فما بال أعرابية إلى قولها:
لها أنّةٌ قبل الأصيل وأنّةٌ سحيرا فلولا أنّتاها لجنت
فما بال أعرابية إلى آخر ما قالت تذكر غربتها فالحاصل أن البادية لا يتحملون أن يعيشوا في القصور العالية المشرفة يذكر الرسول ? أنه في آخر الزمان تنقلب الآية فيتركون ما هم عليه و يتطاولون في البنيان و يحتمل أن يكون المعنى ينقلب الوضعاء أشراف الفقراء العالة يصيرون أشرافًا أرفع الناس لهم الكلمة و مما يساعد أيضًا على هذا المعنى أنه كانوا في الزمان الأول كان بعضهم يتمنى لو صار إلى عيشة أفضل مثل الأعرابي الذي كان عند شويهته و بعيره فإذا اشتهى أن يصير ملكًا أو مملكًا بلا ملك كان يفزع إلى كأسه و يشرب الخمر حتى يعني يحب أن يصير مثل النعمان ملك الحيرة كان يقول:
و إذا سكرت فإنني رب الخورنق و السدير
و إذا صحوت فإنني رب الشويهة و البعير
يعني أرجع إلى شويهتي و بعيري.
فهؤلاء ينتقلون من الحال الدنيا إلى حال أفضل فيتطاولون في البنيان.
أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يعني رعاة للشاة يتطاولون في البنيان بمعنى يطيلونها و يفخمونها و يزخرفونها و يتطاولون في تجميلها و تزيينها و لو نظرنا إلى هذا الزمان لوجدنا العجب العجاب و أكثر الناس فخرًا و بذخًا في البنيان هم أقرب الناس عهدًا بالبادية في الغالب الكثير و كل أهل هذه البلاد كانوا أقرب الناس عهدًا بالبادية كل أصحاب هذه المواطن بالأمس القريب حتى في العقد القريب يعني ليس في العقد الماضي ما كانوا يجدون إلا المدر و الحجر و السعف و الجريد و بيوت الشعر و فجأة تراهم ينزلون في شاهق القصور و في نيف الأبنية فهذا مصداق قول الرسول عليه الصلاة و السلام.
في الزمان السابق كان مثل هذا أيضًا فهذه آية و علم من أعلام نبوته عليه الصلاة و السلام، و في هذا إشارة إلى تحول الأشراف إلى الضعة و الضعة إلى الشرف، و لهذا جاء في صحيح الحاكم"لا تقوم الساعة حتى يوضع الأخيار و يرفع الأشرار"، و جاء في مسند الإمام أحمد عن حذيفة أن النبي ? قال:"لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا ـ يعني بالمال و القصور ـ لكع ابن لكع"يعني السفيه التافه كما قال الحطيئة:
أطوف ما أطوف ثم آوي إلى بيت قعيدته لكاع
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)