أرضه بعشرة آلاف، هذه الأرض قال لك: إنها طيبة وجيدة ويحتمل أنها في المستقبل تكون قيمتها أغلى، وهذا المكان الذي فيه الأرض له مميزات، فجعل يشرح لك الأمور التي ترغبك في شراء هذه الأرض، فبطبيعة الحال قد يكون الإنسان ليس عنده إلمام بمثل هذه الأمور، ويكون جاهلًا بسوق العقار، ولا يعلم كيف البيع والشراء كطالب علم لا يشتغل بمثل هذه الأمور. فالله عز وجل من حكمته جعل له خيار الشرط فيقول له: قبلت البيع؛ ولكن لي الخيار ثلاثة أيام أستشير فيها وأرجع إلى أهل الخبرة وأهل النظر، فإن أنعموا البيع أنعمت وأمضيت، وإن أشاروا عليّ بغيره فإني على خياري. فهو حينئذٍ يدفع عن نفسه ضررًا، خاصة أن البيع قد يكون بمبالغ كبيرة يتضرر الإنسان بدخوله في مثل هذه الصفقات، وقد تكون محتاجًا إلى هذه الأرض ولا بد لك من أرض أو لا بد لك من سيارة. فهذا النوع الثاني من الخيارات، فكما أن الأول يدفع عنك ضرر الاستعجال في بتّ البيع، كذلك هذا يدفع عنك ضرر ما يقال في السلعة أو يقال في الصفقة من المرغبات التي لا حقيقة لها، فيكون خيار الشرط سببًا في حفظ المسلم من أن يخُتل أو يضر به. أقسام عقود المعاملات ومن المعلوم أن عقود المعاملات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: يقوم على الغبن المحض. القسم الثاني: يقوم على الرفق المحض. القسم الثالث: يقوم على الغبن والرفق. وهذا مدخل نريد أن نبين به حكمة مشروعية الخيار تأكيدًا لما تقدم. والبيع يعتبر من العقود التي تسمى بعقود المعاوضات، ونظرًا لأننا ندرس المعاملات المالية فلا بد أن نعرف أنواع المعاملات حتى يستطيع الإنسان أن يدرك الأسرار والحكم التي يفرق من أجلها الشرع بين المعاملات، فيشدد في نوع ويخفف في نوع. فإذا أدركت السبب الذي من أجله خفف الشرع في هذا النوع وشدد في هذا النوع أدركت أنه لا أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون، وأن هذه الأحكام الموجودة في البيوع لا يقصد بها التضييق على الناس وإنما المقصود منها أولًا وأخيرًا خير الناس في دينهم ودنياهم وآخرتهم، وهذا يزيدك قناعة بحكم الشريعة وبصلاحيتها للفصل بين الناس وتوجيه الناس ودلالتهم على ما فيه صلاح أمور دنياهم، كما جاءت بما فيه صلاح أمور دينهم. وعقود المعاوضات: هي التي تدفع فيها شيئًا عوضًا عن شيء، وهذا يشمل البيع، فأنت تدفع -مثلًا- عشرة آلاف ريال عوضًا عن سيارة. ويشمل الإجارة، تقول له: أجرني بيتك أسكنه سنة بألف أو بخمسة آلاف. ويشمل أيضًا النكاح يقول له: زوجتك ابنتي بعشرة آلاف، فجعل الاستمتاع بالبنت لقاء العشرة آلاف وهي المهر: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [النساء:24] . وكذلك يشمل الهبة إذا كانت هبة عوض، كأن يعطيه ساعة فيعطيه هدية في مقابلها أو هبة في مقابلها قلمًا، فهذا أيضًا يعتبر من عقود المعاوضات. وكذلك الشركات حينما تقول: تدفع خمسين ألفًا وأدفع أنا خمسين ألفًا، ونشترك برأس مال مائة ألف على أن نتاجر، فهذا أيضًا من عقود المعاوضة؛ لأنه عاوضك بالخمسين الألف لقاء الخمسين الأف التي معه على أن يكونا رأس مال واحد. وكذلك المضاربة، وهي التي تسمى بالقراض؛ تقول للعامل: خذ هذه المائة ألف واضرب بها في الأرض وتاجر والربح بيني وبينك، فأصبح عمل العامل لقاء جزء من الربح. إذًا: ما يقصد منه الغبن المحض مثل: البيع والإجارة، فإن الرجل إذا قال لك: بعتك سيارتي بعشرة آلاف ستقول: بل بتسعة، أو يقول: بعشرة، وتقول: بتسعة ونصف، أو هو يقول: بتسعة ونصف، فكأن هناك مبلغًا فيه غبن إما عليك وإما عليه، فإن قوي البائع صار الغبن في حق المشتري، وإن قوي المشتري صار الغبن في حق البائع، وقد يتكافآن لكن هذا النوع من العقود يقوم غالبًا على الغبن. والإجارة كذلك، فلو قال له: أجّرتك هذه الشقة بعشرة آلاف في السنة سيقول: بل أستأجرها بتسعة آلاف .. بثمانية آلاف، فيماكسه ويحاول أن يحدث نقصًا، ويكون الغبن فيها في طرف المؤجر لا في طرف المستأجر، وهكذا لو قلت لعامل: اعمل عندي في المزرعة كل شهر بألف، فيقول: بل أعمل في هذه المزرعة كل شهر بألف ومائة، فكأن هناك مائة بين الطرفين. فهذا النوع من العقود الذي المقصود منها الغبن يشدد الشرع في شروطه كما قدمنا في شروط البيع، ويشدد أيضًا في فتح باب الضرر على أحد الطرفين، ومن هنا جعل
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)